الأربعاء، 18 يوليو 2012

مسيحيين ومسلمين، ايد واحدة نبني بلدنا والمخاوف أكبر من حجمها الحقيقى.



هجرة أقباط مصر 
أرقام كاذبة ومخاوف غير حقيقية


ثمة حديث يدور همسا عن هجرة الأقباط خارج مصر، فى أعقاب اندلاع ثورة 25 يناير، ولم يلبث هذا الحديث الخاص أن تحول إلى أصوات مسموعة أثناء إعلان نتائج المرحلتين الأولى والثانية من الانتخابات البرلمانية، والتى أسفرت عن صعود التيارات الإسلامية. وتدريجيا تضخم الأمر، وكأننا إزاء ظاهرة نزوح جماعى للأقباط، وكأنهم فى طريقهم للحاق بذات المسار الذى واجهه مسيحيو العراق ولبنان. ولأن لغة الأرقام لا تكذب، فقد سعينا للاحتكام إليها، برغم عدم دقة هذه الأرقام الخاصة بتعداد المسيحيين فى مصر، ناهيك عن أعداد طالبى الهجرة، وإن وجدت فغالبا ما تكون متضاربة إلى حد يصعب معه الوصول إلى نسبة تقريبية!.. طرقنا أبواب سفارة كندا بالقاهرة، وهى تعد قبلة للمهاجرين الأقباط، بعد أمريكا، فجاءنا الرد التالى: «عفوا لا يمكن إتمام مهمتكم لأن عملية تسجيل طلبات الهجرة لا تصنف وفقا لخانة الديانة»!.
 تلك الكارثة تعطى فرصة للمبالغة فى الأرقام، فهناك إحصائية أعدها المركز المصرى لحقوق الإنسان، الذى يترأسه المحامى نجيب جبرائيل، وقد أطلقها فى أعقاب أحداث ماسبيرو، وجاء بها أن 100 ألف مسيحى تقدموا بطلبات هجرة للخارج منذ اندلاع ثورة 25 يناير، وتحديدا بعد وقوع حادث كنيسة أطفيح، وزادت فى أعقاب حادث إمبابة ثم ماسبيرو. وأشار المركز إلى أن هناك حوالى 10 آلاف طلب تقدم بها أقباط للهجرة، بعد ظهور نتائج المرحلة الأولى فى الانتخابات البرلمانية.
وادعت دراسة أخرى، صادرة عن وكالة الأنباء القبطية، وجود حالة هروب جماعى للأقباط عقب أحداث كنيسة القديسين ليلة رأس السنة الميلادية 2010 وصولا لأحداث ماسبيرو.
وزعمت الدراسة أن ما لا يقل عن 30 ألف قبطى، تركوا مصر خلال الشهور الماضية، وهاجروا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، أستراليا، نيوزيلاندا، فرنسا، هولندا، ألمانيا، إيطاليا والإمارات العربية المتحدة. هذه الأرقام كتبتها رموز قبطية مؤكدة أنها «مبالغات» وفى مقدمة هؤلاء الكاتب المصرى هانى لبيب، الذى أعرب عن اختلافه مع ما ذكره جبرائيل: «لا يمكن التأكد من صحة عدد المهاجرين سوى بطريقتين:
السفارات التى لديها حصر كامل بمن تمنحه تأشيرة الدخول وسبب منحها لها، أو من خلال مصلحة الجوازات التابعة لوزارة الداخلية، أما غير ذلك فكلها اجتهادات غير موثقة، وكيف يمكن أن نصدق أنه منذ 25 يناير خرج من مصر 100 ألف مواطن قبطى، خصوصا أن إجراءات الهجرة معقدة جدا».
 دول المهجر كما يشير لبيب هى أمريكا وكندا وأستراليا، أما دول الاتحاد الأوروبى فلا توجد هجرة إليها، بل هناك لجوء فقط، ولا يمكن أن تمنح تلك الدول الهجرة أو اللجوء لهذا الرقم الضخم، وإذا تجاوزنا عن كل ما سبق، فهل لدى 100 ألف قبطى فى مصر القدرة على السفر بهذا الشكل السريع؟
وهل لديهم من السيولة المالية ما يمكنهم من حجز تذاكر الطيران والسفر خلال تلك الفترة القصيرة؟
ويعود بنا كمال زاخر منسق التيار العلمانى إلى موجات هجرة الأقباط تاريخيا، مؤكدا عدم حدوث اختلال فى التركيبة النوعية لها إلى الآن فما قبل ثورة يوليو 1952 شهدت هجرات الأقباط موجات متتالية، اختلفت فى طبيعتها وأسبابها، فقتل العام 1952 لم تكن الهجرات فى مصر ملموسة، كانت تعد من قبيل الرفاهية.
 وفيما بعد العام 1956، ومع بوادر التوجه الاشتراكى، بدأت الهجرات تتخذ شكلا آخر مع صدور قرارات التأميم، ثم تلت ذلك حقبة السبعينيات، حيث أخذت الهجرة شكلا آخر فى عهد السادات، بسبب إعادة إنتاج بعض الخلايا الراديكالية النائمة، وفى عصر مبارك اتخذت الطابع الاقتصادى، هربا من البطالة والضغوط الاقتصادية، لكن فى كل الأحوال يقول زاخر كان عصب تلك الهجرات خريجو الجامعات من أطباء وصيادلة ومهندسين، ولم يحدث تغير لافت للنظر فى التركيبة النوعية للمهاجرين، مع اختلاف الأسباب من حقبة تاريخية لأخرى.
 وعن مدى إمكانية القياس على النموذجين العراقى واللبنانى فى الهجرة يرى سامح فوزى مدير منتدى الحوار والدراسات السياسية بمكتبة الإسكندرية أن عدد المسيحيين فى العراق يتراجع بشكل كبير، من مليون مسيحى تقريبا إلى حوالى سبعمائة ألف أو أقل، والسبب يعود إلى الاحتلال الأنجلو أمريكى للعراق، وما رافق ذلك من أعمال عنف استهدفت المسيحيين وكنائسهم وممتلكاتهم.
 الوضع إذن مختلف فى مصر كما يؤكد فوزى وإن كانت الأشهر الأخيرة قد شهدت بعض المشكلات لكن لم يحدث استهداف للمسيحيين على نحو جماعى. ويشير فوزى إلى تفرد مصر بميزة بنسبة تتمثل فى عدم وجود توزيع جغرافى على أساس طائفى، كما الحال فى لبنان والعراق.
 ولا يستبعد سامح فوزى احتمال وجود حملة منظمة خارجية، واضعا فى الاعتبار إسرائيل، موضحا أن اصطباغ الثورة المصرية والثورات العربية بطابع إسلامى، لا يأخذ فى اعتباره التنوع الثقافى وحقوق المواطنة، ويغلق باب الحديث عن يهودية الدولة الإسرائيلية، الذى طالما قاومناه. ومن هنا فإننى أؤكد الكلام لفوزى على أهمية أن تحمل المجتمعات العربية سمات التنوع لأن القضاء على هذا التنوع يكون عادة مقدمة لحروب بين الذات.
ماذا إذن عن الدور الذى يمكن لمجلس كنائس الشرق أن يلعبه فى هذا الصدد؟ القس د. إكرام لمعى المتحدث الإعلامى باسم الكنيسة الإنجيلية يدعو إلى ممارسة دور أكثر فاعلية، على نحو ما كان فى الماضى وقبل انسحاب البابا شنودة من أحد اجتماعات مجلس الكنائس اعتراضا على ما اعتبره إهانة من إحدى الكنائس الكاثوليكية، فكان لانسحاب الكنيسة الأرثوذكسية أكبر الكنائس بالشرق الأوسط، أبلغ الأثر فى تراجع دور المجلس، الذى يمكن الاستفادة من علاقاته الدولية والداخلية بالحكومات، كوسيط قادر على طمأنة جموع المسيحيين، وتأكيد أن المخاوف أكبر من حجمها الحقيقى...


ليست هناك تعليقات: