الخطايا الفقهية لدار الإفتاء المصرية

مستشار مفتى الجمهورية يرد على المستشار أحمد عبده ماهر
دار الإفتاء تلتزم بعدم زيادة مدة الحمل عن سنة
عناية الأستاذ/ أسامة سلامة رئيس التحرير
من د.إبراهيم نجم مستشار مفتى الجمهورية
فى العدد الأخير من مجلة روز اليوسف، وتحت عنوان: (الخطايا الفقهية لدار الإفتاء المصرية) أطل علينا المستشار/ أحمد عبده ماهر بهجوم ملىء بمغالطات هى أقرب ما تكون إلى الهدم والتجريح الذى يبتغى تشويه الصورة وأبعد ما تكون عن النقد العلمى المنصف الذى يبتغى إرشاد المخالف إلى ما هو عليه من الخطأ حتى يصلحه.
د . على جمعه
مسألة أقصى مدة الحمل ومغالطات الكاتب:
بدأ الكاتب بالافتراء فنسب إلى الدار ــ فى مانشيت العنوان ــ أنها قالت: إن أقل الحمل 4 سنوات، وهذا ما لم يقل به أحد، لأن الجميع متفقون على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر.ومع هذا فلن نقف عند الأخطاء، وسنحسن الظن ونقول: ربما كان خطأ مطبعيا.
غياب أدب النقد: حيث امتلأ المقال بأوصاف من عينة: الخطايا.. الهلاوس الفقهية... الفقه المعتوه... إلى غير ذلك من عبارات الهمز واللمز والتجريح.
التحريف والتدليس: كنا سنحترم الكاتب، ونرفع له القبعات لو أنه عرض فتوى دار الإفتاء كما هى ــ من غير تحريف أو تدليس ــ ثم وجه إليها سهام النقد، لكننا فوجئنا به يعمل بمنهج التصيِّد والانتقاء لما يخدم الفكر الذى يعتنقه على حساب الحقيقة، ورأيناه يترك النقاط الجوهرية، ويعرض للقارئ أجزاء مبتورة من سياقها حتى يتحقق له ما أراده من الهدم والتشويه.
فقد غفل الكاتب عن أهم نقطة وردت بالفتوى وهى مبدأ تفريق الأحكام، الذى يعنى أن الدار تلتزم بنص القانون ــ فى عدم زيادة مدة الحمل عن سنة ــ فى جميع الأحكام، وعلى رأسها إثبات النسب، لكنها تستأنس برأى الشافعية فى حالة واحدة هى دفع تهمة الزنى عن المرأة التى جاءت بولد قبل مضى أربع سنين من تاريخ الوفاة أو الطلاق إذا ادعت أن الحمل قد استمر هذه المدة، باعتبار أن وجود رأى فقهى ــ ولو ضعيفا ــ يعتبر شبهة تدرأ حد الزنى عملا بقاعدة: ادرءوا الحدود بالشبهات. وهى القاعدة التى تستهدف الحفاظ على الأنفس والأعراض والكرامة الإنسانية.
ولا يخفى على فطنة القارئ الكريم معنى أن يتجاهل الكاتب فكرة محورية كهذه لا يمكن فهم مراد الدار ــ والحكم عليه حكما منصفا ــ إلا من خلالها!! أضف إلى هذا أن الكاتب ردد نفس الاعتراضات التى ذكرتها الفتوى، لكنه تجاهل الردود التى وردت بالفتوى، محاولا إيهام القارئ أن هذه الاعتراضات من بنات أفكاره، وأن المشايخ لا يدرون عنها شيئا.
والواقع أنهم سردوها، وردوا عليها رداً علمياً ملتزماً بأخلاقيات الرد. ولضيق المقام نرجو القارئ الكريم أن يطالع الفتوى الصادرة من دار الإفتاء بعنوان: أطول مدة للحمل بتاريخ 2007/7/20 م وغيرها من فتاوى الدار فى هذا الشأن، حتى يدرك الحقيقة، وحتى يطلع على الحقائق الأخرى والردود العلمية التى لم نتمكن من استيعابها فى هذا المقال، نظرا لضيق المقام.
زعم الكاتب أن دار الإفتاء تنكر العلوم، ونسى أنها على رأس المؤسسات العلمية التى تدعو إلى احترام العلم والعلماء وأنها لا تفتى فى مسألة داخلة فى نطاق علم معين إلا بعد استطلاع رأى خبراء هذا العلم. ونسى الكاتب أن احترام دار الإفتاء للحقائق العلمية هو الذى جعلها لا تعتد بالرؤية البصرية فى إثبات الهلال إذا كانت الحسابات الفلكية القطعية تقضى باستحالة رؤية الهلال فى الأفق.
وفى الختام: فدار الإفتاء لم تخاصم العلم، وأنها فى مسألة أقصى مدة الحمل لم تنكر ما قرره الطب، لكنها ترى أن لكل قاعدة شواذا، وأن هناك حالات نادرة قد يمتد فيها الحمل أكثر مما قرره الأطباء، ودليلها الاستقراء، لأن هذه المسائل لم يأت فيها نص يحددها، فيكون تحديدها موكولا إلى الوجود الذى يعرف بالاستقراء.
وهذه وإن كانت حالات نادرة إلا أنها رُصِدت بالفعل، ويرجع ذلك إلى أن المرأة فى هذه الأزمنة كانت تترك حتى تضع حملها، وإن جاوزت مدة غالب الحمل (9 أشهر) فكان هذا يؤدى إلى كثرة حالات الوفيات بين النساء الحوامل اللاتى تجاوزن هذه المدة، ولم يكن يسلم من ذلك إلا النادر، وعدم وقوع ذلك الآن سببه أن اللوائح والقوانين الطبية تمنع الطبيب من أن يسمح ببقاء الجنين فى بطن أمه فوق مدة معينة، لندرة أن ينجو الجنين من الموت إذا تجاوز الحمل مدة (45) أسبوعاً، وليس عدم الوقوع سببه أن ذلك ممتنع حساً، فلا يعترض على كلام الفقهاء والأئمة بعدم وجدانه الآن، لأن عدم الوجدان لا يعنى عدم الوجود. وكم من حالة نادرة أذن الله تعالى بوجودها مع أنها عند الأطباء من المستحيلات.
ومع هذا فقد تحدثت عن هذا بعض المراجع العلمية المعاصرة، كما ورد فى كتاب: الموسوعة الفقهية الطبية لأحمد كنعان ص 376 نقلاً عن مجلة (تاريخ الأكاديمية) الفرنسية، التى ذكرت حملا استمر ثلاث سنوات، وعزاه لموسوعة المعلومات العامة للأرقام القياسية لغينيس ص.18 وهذه الندرة لم تَبنِ عليها فتوى الدار إلا حكما واحدا كما تقدم، وأما ما عدا هذا من الأحكام فدار الإفتاء المصرية تلتزم فيه بقانون الأحوال الشخصية ــ الذى يجهل كاتب المقال أنه مستمد من الشريعة الإسلامية ــ والذى ينص على أن أقصى مدة للحمل هى سنة. علما بأن الرأى الفقهى الذى استند إليه هذا القان.ون من خارج المذاهب الأربعة، فدار الإفتاء المصرية لا تقدس المذاهب الأربعة، ولا تحصر نفسها فيها كما يُفهم من كلام الكاتب، بل تنهل من رحاب الفقه الإسلامى ــ الذى هو أوسع من المذاهب الأربعة ــ متى تبين لها أن مراد الشارع يتحقق بذلك. ورغم هذا كله فلا مانع لدى دار الإفتاء فى مراجعة كل ما يصدر عنها من بحوث وفتاوى على ضوء ما قطع به العلم الحديث. د. مجدى عاشور المستشار الأكاديمى لدار الإفتاء المصرية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق