كانت من السباقين لدخول الإسلام:
أم شريك الأنصارية.. الصحابية التي رواها الله من ماء السماء
لم ينتشر الإسلام على سنان الرمح، ولم تكن رهبة السيف سبب وقره في قلوب الناس، إنما لعظمته وتكامل عقيدته و شريعته، وعدم تناقضهما مع الفطر والعقول السوية، فحتى أولئك المكابرين الذين أسلموا بعد لَأْيٍ من معارضته ومحاربة معتنقيه، لم ينطقوا الشهادتين إلا عن قناعة، بعد تضعضع حجج أباطيلهم أمامه.. واليوم سنحتفي بلقاء صحابية جليلة صدقت الرسالة، ونذرت عمرها فداء لها، فلاقت في سبيل ذلك أنكى أنواع التعذيب، لكنها صبرت واحتسبت، حتى نالت كرامة الله، وأسلم على يدها الكثير، هي أم شريك غزية الأنصارية رضي الله عنها.
اختُلف في نسبها فقيل هي غزية بنت جابر بن حكيم، من بني النجار من قبيلة الخزرج، وقيل من دوس من قبيلة زهران، وقيل من بني غفار من قبيلة كنانة، والأرجح أنها من بني معيص بن عامر بن لؤي من قبيلة قريش .
كانت من بين السباقين إلى الدخول في الإسلام من أهل مكة المكرمة، هي وزوجها أبو العكر الدوسي رضي الله عنهما، فهاجر هذا الأخير مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وبقيت هي في مكة تكتم إسلامها، وعندما رأت ما حل بالمسلمين المستضعفين من اضطهاد وتضييق، عقدت العزم على نصرة دين الله، وحملت هم الدعوة إليه، فأصبحت تفد على نساء مكة المكرمة، وتدعوهن في سرّية إلى الاسلام، حتى وُشِي بها واكتشف الكفار أمرها، فاستطارت جنان عقولهم، وكادوا يقتلونها، لولا تحالفهم مع قومها، لكنها بقيت ثابتة على دينها مشيحة بوجهها عن دعوتهم لها لترك الإسلام، وتروي عن نفسها رضي الله عنها كما جاء في الطبقات لابن سعد فتقول:
“جاءني أهل أبي العكر فقالوا: لعلك على دينه، فقلت: إي والله! إني لعلى دينه، فقالوا: لا جرم لنعذِّبنّك عذابا شديدا، تقول: فارتحلوا بنا من دارنا وكنا بذي الخلصة وهو موضعنا، فساروا يريدون منزلا فحملوني على جمل ثقال شر ركابهم وأغلظهم، يطعموني الخبز بالعسل، ولا يسقونني قطرة ماء، حتى إذا انتصف النهار وسخنت الشمس ونحن قائضون، نزلوا فضربوا أخبيتهم وتركوني في الشمس، حتى ذهب عقلي وسمعي وبصري، ففعلوا ذلك بي ثلاثة أيام، فقالوا لي في اليوم الثالث: اتركي ما أنت عليه، قالت: فما دريت ما يقولونه إلا الكلمة بعد الكلمة، فأشير بأصبعي إلى السماء بالتوحيد، فوالله إنّي لعلى ذلك وقد بلغني الجهد، إذ وجدت برد دلو على صدري فأخذته، فشربت منه نفسا واحدا ثم انتزع مني، فذهبت أنظر فإذا هو معلق بين السماء والأرض، فلم أقدر عليه ثم دُلّي إليّ ثانية فشربت منه نفسا ثم رفع، فذهبت أنظر فإذا هو بين السماء والأرض، ثم دُليّ إليّ مرة ثالثة، فشربت منه حتى رويت وأهرقت على رأسي ووجهي وثيابي، قالت فخرجوا فنظروا وقالوا: من أين لك هذا يا عدوة الله!؟
قالت فقلت: إن عدو الله غيري من خالف دينه، وأما قولكم من أين هذا، رزقا رزقنيه الله.
فانطلقوا سراعا إلى قربهم وأدواهم فوجدوها موكّأة لم تحل، فقالوا نشهد أن ربّك هو ربّنا، وأن الذي رزقك ما رزقك في هذا الموضع، بعد أن فعلنا بك ما فعلنا، هو الذي شرع الإسلام.”
فهاهي أم شريك بصبرها وثباتها، تعضدها يد الله وتسقيها من ماء السماء، فتقذف الرعب في قلوب الكافرين بعدتهم وتعدادهم، وتجبرتهم على الإقرار بدين الحق بعد مكابرة وتجبّر، والإلتحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة .
واختلفت الروايات في سرد مصيرها بعد هجرتها إلى المدينة المنورة، فقيل أنها وهبت نفسها إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن مات زوجها فنزلت فيها قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } الأحزاب الآية 50 فقبلها ودخل بها.
فيما جاء في روايات أخرى أنه رفضها صلى الله عليه وسلم، فلم تتزوج حتى ماتت رضي الله عنها وأرضاها وجعل الفردوس مثواها.
ام شــريك
الصحابية التي شربت من ماء السماء
د. محمد عبد الرحمن العريفي
كانت النساء ... تصبر على البلاء ..
نعمكن يصبرن على العذاب الشديد ...
والكي بالحديد ...
وفراق الزوج والأولاد ...يصبرن على ذلك كله حباً للدين ...
وتعظيماً لرب العالمين ...لا تتنازل إحداهن عن شيء من دينها ...
ولا تهتك حجابها ... ولا تدنس شرفها ...
ولو كان ثمنُ ذلك حياتها ...
نساء خالدات ... تعيش إحداهن لقضية واحدة ... كيف تخدم الإسلام ...
تبذل للدين مالها ... ووقتها ... بل وروحها ...
حملن هم الدين ... وحققن اليقين ...
أسلمت مع أول من أسلم في مكة البلد الأمين ...
فلما رأت تمكن الكافرين ... وضعف المؤمنين ...
حملت هم الدعوة إلى الدين ... فقوي إيمانها ...
وارتفع شأن ربها عندها ...
ثم جعلت تدخل على نساء قريش سراً فتدعوهن إلى الإسلام ...
وتحذرهن من عبادة ألأصنام ...حتى ظهر أمرها لكفار مكة ...
فاشتد غضبهم عليها ... ولم تكن قرشية يمنعها قومها ...
فأخذها الكفار وقالوا : لولا أن قومك حلفاء لنا لفعلنا بك وفعلنا ... لكنا نخرجك من مكة إلى قومك ...فتلتلوها ... ثم حملوها على بعير ... ولم يجعلوها تحتها رحلاً ... ولا كساءً ... تعذيباً لها ...
ثم ساروا بها ثلاثة أيام ... لا يطعمونها ولا يسقونها ...
حتى كادت أن تهلك ظمئاً وجوعاً ...
وكانوا من حقدهم عليها ... إذا نزلوا منزلاً أوثقوها ..
ثم ألقوها تحت حر الشمس ... واستظلوا هم تحت الشجر ...
فبينما هم في طريقهم ... نزلوا منزلاً ... وأنزلوها من على البعير ... وأثقوها في الشمس ...فاستسقتهم فلم يسقوها ...
فبينما هي تتلمظ عطشاً ... إذ بشيء بارد على صدرها ...
فتناولته بيدها فإذا هو دلو من ماء ...
فشربت منه قليلاً ... ثم نزع منها فرفع ...
ثم عاد فتناولته فشربت منه ثم رفع ... ثم عاد فتناولته ثم رفع مراراً ...
فشربت حتى رويت ... ثم أفاضت منه على جسدها وثيابها ...
فلما استيقظ الكفار ... وأرادوا الارتحال ... أقبلوا إليها ... فإذا هم بأثر الماء على جسدها وثيابها ...
ورأوها في هيئة حسنة ... فعجبوا ... كيف وصلت إلى الماء وهي مقيدة ...
فقالوا لها : حللت قيودك ... فأخذت سقائنا فشربت منه ؟
قلت : لا والله ... ولكنه نزل علي دلو من السماء فشربت حتى رويت ...
فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا : لئن كانت صادقة لدينها خير من ديننا ...
فتفقدوا قربهم وأسقيتهم ... فوجدوها كما تركوها ... فأسلموا عند ذلك ... كلهم ... وأطلقوها من عقالها وأحسنوا إليها ...
أسلموا كلهم بسبب صبرها وثباتها ... وتأتي أم شريك يوم القيامة وفي صحيفتها ... رجال ونساء ... أسلموا على يدها .
اللهم يسر لنا رضاك والجنة
..والدعوة إلى سبيلك بالحكمة والموعظة الحسنة يا رب..


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق