مشــاركة ممـيزة

المصحف المرتل للشيخ مصطفى اسماعيل نسخة الإذاعة بجودة عالية

المصحف المرتل للشيخ مصطفى اسماعيل   الشيخ عبد الباسط عبد الصمد ـ مجود. ⇓⇓ ..إستمع 24 ساعة يوميا ..  .. نسخـة الإذاعـة بجـودة عـالية ...

الثلاثاء، 29 يناير 2019

من فاروق إلى السيسي .. قصة امبراطورية البوليس التي يجهلها الكثيرون


... من فاروق إلى السيسي ... 
قصة امبراطورية البوليس التي يجهلها الكثيرون


في صبيحة يوم 25 يناير/كانون الثاني، وتحديدا في الساعة السادسة صباحا، رفض 800 جندي وضابط مصري من قوات الشرطة بقسم مدينة الإسماعيلية القريبة من منطقة قناة السويس أن يسلموا أسلحتهم، وبادروا في وقت مبكر من الصباح بإطلاق النار من بنادقهم البدائية على القوات المحتشدة خارج القسم، متورطين في معركة غير متكافئة بالمرة انتهت بهزيمتهم واعتقال كل من بقي منهم حيا بعد المعركة.
فيما بعد، أصبح ذلك اليوم، يوم 25 يناير/كانون الثاني، عيدا للشرطة، تخليدا لتلك الحادثة، حين ضاقت القوات البريطانية المتمركزة بمنطقة القنال بالعمليات الفدائية التي شارك فيها شباب ورجال من جميع القوى السياسية المصرية بتواطؤ واضح من قسم شرطة الإسماعيلية الذي لم يستطع رجاله السيطرة على انفعالهم مع الشعور الوطني المتزايد في البلاد، فقامت القوات البريطانية في فجر يوم 25 يناير/كانون الثاني 1952 بمحاصرة مبنى القسم وطلبت من الجنود والضباط تسليم أنفسهم وأسلحتهم، فرفض الجنود والضباط واشتعلت المعركة واشتد إطلاق الرصاص بين بنادق بدائية ورشاشات إنجليزية تختبئ وراء المدرعات والدبابات، وانتهت المعركة بمقتل ثلاثة جنود بريطانيين واستشهاد خمسين من رجال الشرطة المصرية واستسلام الباقين واعتقالهم تمهيدا لمحاكمتهم عسكريا


وفي اليوم التالي للحادثة، 26 يناير/كانون الثاني 1952، اشتعلت المظاهرات في قلب القاهرة احتجاجا على اعتقال ومحاكمة رجال الشرطة المصرية، الأمر الذي انتهى بحريق القاهرة، واضعا البلاد المصرية على إناء ساخن، فارت ماؤه بحركة الجيش في 23 يوليو/تموز 1952، إلا أن فوران الماء قد أطفأ النار، وبعد نحو ستين سنة من تلك الحادثة، بدا الأمر في شوارع مصر مقلوبا تماما، فقد خرجت تظاهرات الشباب هذه المرة تهتف بسقوط نظام الظلم والاستبداد والفساد، النظام الذي يحميه رجال الشرطة، الذين عاثوا في البلاد ظلما وتعذيبا وقتلا وفسادا وإفسادا، فاقدين لأي شعور وطني أو حتى ضمير أخلاقي.
واليوم، بعد مرور ثماني سنوات ونيف من ثورة يناير، ما زال الأمر كما هو، وما زالت الشرطة على طرف نقيض لذلك الذي كانت عليه في ٢٥ يناير/كانون الثاني ١٩٥٢. 
طرف يصعب فيه أن يتخذ جنودها، الذين صاروا يتعلمون الانضباط العسكري، قرارا شجاعا بمواجهة وطنية، أو أن يتخذ ضباطها مبادرة مسؤولة دون انتظار الأوامر. طرف يصعب أن تتفق الشرطة فيه مع الشارع وحركته إذا خالفت تلك الحركة ما تراه السلطات، حتى وإن كانت حركة الشارع تنطلق من الإيمان بمبادئ العدالة والسيادة الوطنية والحقوق الإنسانية للجميع. فكيف تحوّلت الشرطة لهذا الطرف النقيض، لتصبح عصا في يد السلطات تبطش بها أجساد الشعب المظلوم؟
زفاف الشرطة والنظام السياسي .. هل الشرطة مؤسسة مسيسة؟
يطرح المؤرخ خالد فهمي سؤالا عن "تسييس" مؤسسة الشرطة: هل كانت الشرطة تدافع عن النظام الملكي أو تعمل لحسابه؟ ثم يذهب إلى أن هذا السؤال ليس صحيحا، فمؤسسة الشرطة المصرية قبل قيام حركة يوليو كان يرأسها وزراء مدنيون، فـ"النظام لم يسع لحماية نفسه قبل حركة الجيش عبر قوات من الشرطة، وإنما تنامى الاتجاه لعسكرة الشرطة عقب يوليو. الشرطة لم تكن تحمي الملك أو نظامه وهي بهذا المعنى غير مسيسة. هي إن كانت مسيسة قبل يوليو؛ فهذا يتصل بكون أفرادها أنفسهم مسيسين، ربما بشكل غير مؤسسي أو منهجي، ليس من الضرورة أن يكونوا منخرطين في جماعات أو أحزاب سياسية، ولكن قرارهم باتخاذ التحرك والعمل ومواجهة دبابات ورصاصات الاحتلال دون انتظار أوامر؛ هو في ذاته قرار سياسي. وهو ما لم يعد واردا تكراره عقب الانقلاب العسكري في يوليو ١٩٥٢".


ويوضح فهمي أن قبل حركة الجيش كانت السياسة موجودة بالشارع، مع وجود الأحزاب والقوى السياسية الأخرى كمصر الفتاة والإخوان المسلمين مع وجود البرلمان ونخبة سياسية مدنية، لكن ما قررته النخبة العسكرية الجديدة والتي قامت بحركة يوليو بناء على مبدأ في منتهى البساطة والاختزال لكنه يُمثّل غطاء شرعيا للحكم العسكري حتى الآن، وهو: "الحياة السياسية فاسدة وأفسدت حال البلد، فيجب أن يتدخل الجيش ليُنهي السياسة وفسادها، لكنه قد يسبب فشلا اقتصاديا، فيجب بقاء الحكم العسكري كي يُعيد الانضباط الذي قد يصنعه الاحتجاج السياسي"، وهكذا تظل الدولة في دائرة مفرغة مضمونها الأساسي هو إزالة السياسة من الشارع، وبالتالي إزالتها من صفوف الجيش والشرطة كي لا تتكرر حالات الانقلاب العسكري.
فبعدما قام الضباط الأحرار بانقلابهم العسكري في ٢٣ يوليو/تموز ١٩٥٢؛ "أراد الضباط القائمون بتلك الحركة ضمان بقائهم في الحكم ومنع أي احتمالات مستقبلية لتكرار ما صنعوه. والسبيل الوحيد والناجح لذلك -وفقا لرؤيتهم- كان نزع السياسة من كافة مؤسسات الدولة ومن الشارع. لهذا أسسوا أجهزة أمنية وأجهزة استخبارات تتولى مراقبة أفراد الجيش والشرطة، وليس فقط مراقبة الشعب. كان لا بد من التحكم في العمل السياسي و"تأمين الجيش"، لهذا جاء تعيين عبد الحكيم عامر لولائه المضمون قائدا على رأس الجيش لضمان "التأمين" وهو ما قاد لاحقا لهزيمة ١٩٦٧". 
هل هذا يعني أن مؤسسة الشرطة المصرية كانت وطنية في الأصل تدافع عن حقوق المصريين، ولم ترتكب أي جرائم في حق الشخصيات السياسية الوطنية والمقاومة للاحتلال الإنجليزي؟ يؤرخ المفكر تيموثي ميتشل في كتابه "استعمار مصر" لبداية تأسيس الشرطة المصرية، فيقول: "كان على الريف المصري أن يصبح، حيثما كان ذلك ممكنا، مثل قاعة الدراسة والمدينة، مكانا للإشراف والسيطرة الدائمَين، للتذاكر وأوراق التسجيل، للمراقبة والتفتيش. وعلاوة على الإشراف الخاص على الحقول، والمصانع، والسكك الحديدية، ومجموعات العمال، رغبت الحكومة في إقامة نظام عام للبوليس يكون ذكيا وفعالا وموجودا في كل مكان"


فكان الأمر في البداية، عقب انهيار الحكومة عام 1882، عبارة عن نظام معادل لفرض الأحكام العرفية، وهو في الحقيقة معدل لقانون الطوارئ الحديث، وقد أُطلق عليه اسم "لجان قطع الطريق" التي حاول الإنجليز أن يسحقوا بها الجماعات المسلحة المحلية التي تقاوم القوات الإنجليزية في الريف المصري، واستخدم الإنجليز كل التقنيات التي أصبحت مألوفة فيما بعد في دولة يوليو مثل: الغارات العسكرية، والبوليس السري والمرشدين، والاستخدام المنهجي للتعذيب، والسجن الجماعي. وقد امتلأت سجون البلاد بأربعة أضعاف طاقتها. 
وكانت الأمثلة على التعذيب المستخدم لانتزاع الاعترافات من المشتبه فيهم تتضمن تعليق الناس في أطواق حديدية، وحرق الجسم بمسامير حديدية محماة. وبعد عقد من الزمن من إدخال "لجان قطع الطريق" استُبدل بها نظام "بوليس" أكثر انضباطا وانتشارا واستمرارية. وعُيّن الكولونيل كتشنر، أحد الضباط البريطانيين في الجيش المصري، مفتشا عاما للبوليس المصري، وقد حوّل الأساليب الحديثة للتفتيش والاتصال والانضباط إلى عملية متصلة بالسلطة السياسية. 
وبالإضافة إلى تنظيم قوة البوليس، تمت إقامة نظام شامل للتفتيش الإنجليزي، في إطار وزارة الداخلية، التي كانت تعبر عن البيروقراطية الجديدة المنظمة للشؤون الداخلية في مصر، فكان على تلك الشؤون الداخلية للحياة القروية المصرية أن تخضع للإشراف المستمر. وللمساعدة على ذلك رُتّبت لخفراء القرى المحليين، وعددهم 50 ألفا، مرتبات حكومية، فيما بعد، أُحضروا إلى المراكز الإقليمية لتلقي التدريب العسكري وزُوّدوا بالأسلحة.


وكان على هؤلاء الخفراء أن يعاونوا في المراقبة البوليسية للمجرمين والأشخاص المشتبه فيهم ولكل "الشخصيات السيئة المعروفة" أو المناوئة لسلطة الإنجليز ، وأخيرا تم إدخال سلسلة من اللوائح الحكومية بهدف قمع أي "اضطراب داخلي" بما في ذلك منع حمل السلاح على الجميع باستثناء "المسؤولين الحكوميين والمحليين، أو ملاك الأراضي والتجار ذوي الحيثية". وكانت مناهج السيطرة الجديدة عظيمة النجاح، فقد حطمت جماعات المقاومة الريفية، وقُتل زعماؤها بالرصاص أو اعتُقلوا، ووضعت نهاية للهجمات على ملكيات الإنجليز.
وبحلول عام 1895 أنشأ الإنجليز وزارة الداخلية في مصر، وفي عام 1911 ظهر ما يسمى القسم الخاص، وهو القسم المكلف بأعمال الرقابة الداخلية، الذي يُعد السلف الأول لجهاز مباحث أمن الدولة والمباحث العامة. وتحددت الجرائم السياسية في عام 1937، وعُرّفت بأنها أي تعبير يُقصد به إهانة الحكومة أو احتقارها.
يحكي ميتشيل (4) واقعة حصلت في مديرية بني سويف توضح الدور الرقابي والضبطي الذي لعبته الشرطة تحت إشراف الإنجليز، حيث كتب اللورد كرومر في تقرير أرسله لوزارة الخارجية بلندن أن ضابط التفتيش الإنجليزي كان لديه من الأسباب ما يكفي ليقتنع أن هناك عددا كبيرا من البالغين والأطفال لم يُسجلوا في دفاتر عزبة تخص أحد الأثرياء المصريين، وقد أقر الشيخ المسؤول بأنه ليس في القرية الواقعة في عزبة ذلك الثري أحد صالح للتجنيد الإلزامي أو تجنيد العمل غير مسجل، فقام ضابط التفتيش بمعاونة قوة من الشرطة والخفراء بتطويق القرية ليلا، وفي الصباح وجدوا ما يربو على 400 غير مسجلين اعتُقلوا جميعا، وتعرض الشيخ لمحاكمة عسكرية.
وفي الثلاثينيات من القرن العشرين توسعت السجون لتشمل معسكرات اعتقال في الصحراء وخارج المدن، منها طرة وأبو زعبل والقناطر والواحات، وفي أثناء الحرب العالمية الثانية أُودع 4000 معتقل في المعسكرات، وفي بداية الخمسينيات بلغ عدد المعتقلين 25 ألف معتقل، وهو العدد الذي سيبلغ مئة ألف في عهد عبد الناصر.
 قفز الضباط الأحرار على عرش الدولة المصرية كزرع شيطاني ليس له جذور


مواقع التواصل الاجتماعي
إذن كان السبب الأساسي لإنشاء جهاز الشرطة ليس هو إقامة العدالة أو حفظ الأمن، بل ضبط الريف والمدن المصرية لتتلاءم والسلطة الإنجليزية وأهدافها التجارية والرأسمالية، وكانت مهمة رجال الشرطة والخفراء هو تدمير وسحق أي حركة مقاومة ضد الاحتلال الإنجليزي، وما حدث في قسم شرطة الإسماعيلية 1952 كان هو الاستثناء نتيجة تنامي الشعور الوطني، بجانب ازدهار النخب السياسية والقانونية منذ ثورة 1919 وصعودها لقمة المناصب السياسية والوزارية في العهد الملكي. وكان ما حدث بعد انقلاب يونيو/حزيران هو معاداة ذلك الاستثناء في تاريخ الشرطة وإعادة الأمور لأوضاعها العادية، وعودة جهاز الشرطة لممارسة مهمته الطبيعية منذ نشأته.
شرطة الدولة الناصرية.. وبزوغ فجر دولة البطش
قفز الضباط الأحرار على عرش الدولة المصرية كزرع شيطاني ليس له جذور، فلم يكن لحركة يوليو أي تنظيم سياسي جماهيري تحركه أيديولوجية سياسية واضحة لتتسلم به السلطة، مما دفع جمال عبد الناصر للاعتماد على المؤسسات القائمة، وهي المؤسسات ذات التصميم الإنجليزي القديم والتي عملت منذ عام 1882 على خدمة مصالح الإنجليز وخدمهم في مصر.
وفي ظل عدم وجود صراع سياسي بعدما نجح جمال عبد الناصر في هزيمة جميع خصومه بداية من محمد نجيب وعبد الرازق السنهوري وحتى الإخوان المسلمين والشيوعيين وبعض عمال المصانع، تحول جوهر سياسة "عبد الناصر" وجوهر ما ادّعاه من تطهير البلد من أذناب الاستعمار إلى مجرد مجموعة من المشكلات الإدارية، التي تحتاج فقط إلى إعادة ترتيب وتنظيم مع رفع مستوى الأداء، دون تطرق إلى الخيارات والأولويات نفسها.



ولأن النظام الجديد يفتقر لأي تنظيم سياسي جماهيري فقد اعتبر الموظفين الموجودين من الأصل في النظام الإداري هم تنظيمه الأساسي، ولم تطل قوانين التطهير لسنة 1952 سوى الأجهزة المتصلة بالأمن والسياسة، كالجيش والبوليس ووزارة الخارجية. واقترن ذلك مع إلغاء السياسة باعتبارها شرا مطلقا وتفريغ ذلك النظام الإداري بأكمله بما فيه مؤسسة الجيش والشرطة بالأساس من أي توجهات سياسية  ، وتوازى ذلك مع إلغاء الأحزاب وأي قوى سياسية قديمة أو جديدة، ليبقى الزعيم الكاريزمي الخالد وحيدا على عرش من قصب.
وقد لخّص المستشار طارق البشري هذا الأمر بدقة فقال: "مع دمج السلطات لصالح جهاز الحكومة، ومع السلطة الفردية، تبدو السمة الثالثة للنظام السياسي الذي أقامته ثورة 23 يوليو، وهي استغناء التنظيم السياسي للدولة والمجتمع عن مبدأ الحزبية في عمومه، ...لقد فرضت الضرورات السياسية نفسها على الضباط وحركتهم، فصار جهاز الدولة معهم هو الجهاز السياسي والإداري معا. ولم يوجد من بعد تنظيم سياسي حزبي له ذاتيته المتميزة عن الدولة، وتركزت فيه الوظائف السياسية المختلفة... إن الظاهرة التنظيمية التي تميزت بها ثورة 23 يوليو، وهي اندماج الوظيفة السياسية في الأجهزة الإدارية… ما لبثت أن تخصصت وآلت على وجه الخصوص إلى اندماج الوظيفة السياسية في أجهزة الأمن، وكادت أجهزة الأمن أن تصير قوامة على ما من شأن الأحزاب والتنظيمات السياسية أن تقوم به من وظائف… وقد تولد عن ذلك ما يمكن تسميته بالنزوع الأمني الإعلامي، وهو اعتبار كل معارضة سياسية مؤامرة أو خبيئا لجريمة تهدد أمن الجماعة والنظام، وتهدد الأهداف العليا للوطن في استقلاله ونهضته ورخائه".


على الجانب الآخر أصبحت تلك المؤسسات الإدارية وفي قلبها الشرطة تابعة سياسيا للنظام الناصري، وفي الوقت نفسه أصبح ممنوعا على أفراد الشرطة أن يكون لهم رأي سياسي، فعقيدتهم هي الولاء الكامل للنظام، ويضيف خالد فهمي قائلا: "هذا الخوف من تسييس الجيش أو تسييس الشرطة والشارع هو ما أدّى إلى مصادرة المجال السياسي". فأسس زكريا محيي الدين الأمن الداخلي عبر إعادة ترميم جهاز الشرطة بالنظام نفسه الذي أسسه الإنجليز مع فصل كل العناصر المشكوك في ولائها، وحوّل القسم السري في الشرطة إلى إدارة المباحث العامة التي تحوّل اسمها في عام 1971 إلى مباحث أمن الدولة.
وكان أكبر مثال على ذلك هو الضابط "ممدوح سالم" الذي كان ضابطا للبوليس السياسي في عهد الملك ثم استمر في العمل داخل مباحث أمن الدولة في مرحلة ما بعد يوليو 1952، حيث أصبح مدير مباحث الإسكندرية بعد انقلاب يوليو، ولاحقا عيّنه السادات وزيرا للداخلية بدلا من شعراوي جمعة.
ويعد مدير المباحث مسؤولا أمام وزير الداخلية ونائب الوزير لشؤون أمن الدولة. أما إدارات الأقاليم في المباحث فمسؤولية مباشرة أمام القيادة في القاهرة، لا أمام أي سلطات محلية من أي نوع، وتجند تلك الإدارات شبكة واسعة من المخبرين، بعضهم يظهر في العلن، وبعضهم يتخفى لجمع الأسرار، والباقي يُوزّع بشكل سري داخل المؤسسات والجمعيات والشركات والقوى السياسية المختلفة.
ثم تأسست هيئة المخابرات العامة في ديسمبر/كانون الأول 1953، وكان رئيسها الأول خالد محيي الدين، ويشير المفكر عزمي بشارة إلى أن هناك عدة تقارير تشير إلى أن الولايات المتحدة دفعت بعد انقلاب 1952 مباشرة مبلغا قدره مليون دولار ثمنا لمعدات مراقبة وتنصت للشرطة وأدوات لمكافحة الشغب. كما قامت الاستخبارات الأميركية بأعمال التخطيط والتدريب، وكان حسن التهامي رجل الاتصال بين النظام الجديد والاستخبارات الأميركية.
ويحكي صلاح نصر أنه قد درس تنظيمات الاستخبارات حول العالم ثم توصل إلى شكل مناسب لتنظيم الاستخبارات يصلح لأوضاع مصر، وكان هذا التنظيم أقرب إلى تنظيم الاستخبارات الأميركية، فيقول: "كانت المهمة المحددة لجهاز المخابرات العامة أن يكون نظام مخابرات سياسية اقتصادية… وفُصلت المخابرات الحربية وأصبحت تتبع القائد العام للقوات المسلحة، أما المباحث العامة فتتبع وزير الداخلية وواجبها يتصل بالداخل ويختص بالجماعات والنشاط الحزبي والعمالي والصحفي والطلابي وغيرها، أي إن نشاطها يتعلق بالداخل، أي الأمن السياسي الداخلي".
ويعلق المؤرخ خالد فهمي: "ورافق هذا اتجاه متنامٍ لعسكرة الشرطة والقضاء على صفتها المدنية، حتى وإن لم تتبع الجيش رسميا. ضباط الشرطة في أكاديميتهم لا يتعلمون القانون؛ قدر ما يتلقون تدريبات ذات صبغة عسكرية، ويتعلمون التكتيكات العسكرية الخاصة بتشكيل الجموع (الأمن المركزي) ومواجهة المظاهرات. 
وهذا ما أفرز لاحقا واحدة من أكبر المشكلات والأزمات للشرطة وللشعب معا، وهو صدور القانون ١٢٧ لسنة ١٩٨٠، المعروف بقانون الخدمة العسكرية والوطنية. وهو القانون الذي أسس وقنن لمبدأ قضاء المواطنين المصريين لخدمتهم العسكرية ضمن قوات الأمن المركزي، فصار هناك عشرات الآلاف سنويا يدفعون من أعمارهم ثلاث سنوات لحماية النظام، لا حماية الدولة وحدودها. وصار العدو هو أبناء الوطن في الداخل، هؤلاء الآن هم من يواجههم المجند خلال خدمته العسكرية".
ولم يترك الزعيم السلطة إلا محمولا على ظهره، تاركا خلفه إمبراطورية تحكمها المباحث العامة وأمن الدولة والمخابرات العامة، وأربعة عشر ألف أمر اعتقال مع مئة ألف مواطن مصري قد دخلوا المعتقلات بشكل عام، مع حصيلة غير معلومة من جرائم التعذيب والقتل الممنهج والاغتيالات السياسية ودولة تقبع تحت حكم الحديد والنار.
الشرطة تعلن الحرب على الشعب.. شروق شمس الحرس الجديد
قبل أن تخرج روح الزعيم من جسده، وبعد نكسة 1967 والهزيمة المذلة للجيش المصري والمشروع الناصري، وتحديدا في 3 مارس/آذار 1969، ألقى عبد الناصر خطابا أعلن فيه سقوط دولة الاستخبارات، فتُرك المجال الداخلي لعمل أجهزة الأمن الداخلية والمباحث، بمعنى أن توجه أجهزة الاستخبارات عملها نحو الخارج، وتتسلم أجهزة مباحث أمن الدولة عملية الرقابة والتضييق على الحريات، وتقلص عدد الضباط في الحكومة من 66% في عام 1967 إلى 21% في عام 1970، وسيطر الاتحاد الاشتراكي العربي على التعيينات في 367 شركة عامة كان عبد الحكيم عامر يتحكم بها من خلال تعيين عسكريين في قمة هرمها.


  وفي عام 1969، أُنشئت قوات الأمن المركزي لوضع قطاع من المجندين في الجيش تحت إمرة وزارة الداخلية، بهدف إبقاء الجيش في منأى عن مهمات قمع الشعب في الاحتجاجات، وبلغ عدد أفراد هذه القوات في عام 1970 عشرة آلاف جندي، تحولوا لجيش كامل العتاد ومستقل التسليح والإدارة بعد موت عبد الناصر. ومع تولي السادات لرئاسة مصر، تعزز نفوذ وزراء الداخلية وأجهزتهم الأمنية، وتعززت قوة المنصب بالنسبة للنظام السياسي، وبرز ممدوح سالم والنبوي إسماعيل اللذان تحوّلا من ضابطَيْ شرطة إلى وزيرَيْ داخلية، ومع أحداث الانتفاضة الشعبية في عام 1977، ورغم فشل الشرطة في احتواء الموقف واللجوء إلى الجيش لفرض حظر التجول، تحوّل وزير الداخلية بعد يناير/كانون الثاني 1977 إلى الرجل القوي في مصر بعد رئيس الدولة مباشرة، "أي إن الدولة تحوّلت إلى دولة أمن".(11) وتضاعف عدد الأمن المركزي ثلاث مرات، رغم أن تلك القوات كانت محدودة التكلفة، حيث لم يكن يتجاوز راتب المجند فيها ستة جنيهات شهريا.(11) ثم تصاعدت التوترات السياسية المصاحبة لسياسات الانفتاح الجديدة والسلام مع إسرائيل، حتى انتهت باغتيال السادات، تاركا خلفه جحافل الأمن المركزي وبلدا تغلي على صفيح ساخن، في تلك الأجواء تشكلت الدولة الأمنية في عهد مبارك والتي خرجت انتفاضة يناير مطالبة بسقوطها، بينما عاد الحكم العسكري ليرممها من جديد.
في ظهيرة جمهورية الرعب الثالثة
جاء مبارك في وقت ضمت فيه القوى السياسية حشودا جديدة من معارضي النظام الغاضبين من تنكيس دولة يوليو بوعودها، وخاصة تغيير السياسات الاقتصادية والسلام مع إسرائيل، وتزايد الشعور الوطني المعادي لتلك السياسات، فحاول مبارك استيعاب القوى السياسية الغاضبة، فأفرج عن معتقلي سبتمبر/أيلول 1981 ضمن قضايا اغتيال السادات، وحاول أن يبدو متسامحا وأكثر اعتدالا، لكن أحداث التمرد التي حدثت في قلب معسكرات الأمن المركزي ثم في صعيد مصر أعادت النظام لوجهه الأمني الحقيقي، ليصل لذروة بطشه الأمني.
جاءت المفاجأة التي هزت دولة يوليو في عهد مبارك في يومي 25 و26 فبراير/شباط 1986، حين خرج عشرات الآلاف من جنود الأمن المركزي الغاضبين في تظاهرات احتجاجية تطالب بتحسين أوضاعهم المعيشية، ومثلما حدث في يناير/كانون الثاني 1952 في قسم شرطة الإسماعيلية، بدأت الأحداث هذه المرة بالقرب من العاصمة القاهرة، وبدأ التمرد من معسكرين للأمن المركزي: الأول على طريق القاهرة - الفيوم، والثاني على طريق القاهرة - الإسكندرية، حيث اندفع الجنود إلى الشوارع بعد تردد شائعات عن صدور قرار يمدد فترة التجنيد الإجباري لأفراد الأمن المركزي من ثلاثة أعوام إلى أربعة أعوام، بجانب خفض الحكومة قليلا من مرتبات الجنود لسداد الديون.
 أما أخطر تحرك لقوات الأمن المركزي فكان في منطقة طرة، حيث اشتدت المواجهات بينها وبين قوات الجيش الذي استخدم طائرات مروحية، وقام بقنص عدد منهم بالرصاص، ليخرج آلاف منهم فارين إلى الشوارع يحملون أسلحتهم، مما زاد من تمركز الجيش والتعامل معهم بشكل عنيف، حيث تشير البيانات الرسمية إلى أن الأحداث قد أسفرت عن مقتل 107 فرد من جنود الأمن المركزي، منهم 104 في القاهرة وثلاثة في أسيوط، علاوة على 719 جريحا، بينما ذهبت بعض التقديرات إلى حساب الضحايا بالآلاف، كما تم اعتقال الآلاف من جنود الأمن المركزي من مواقع الحوادث، وسُرّح نحو 21 ألف جندي من الخدمة.
على خلفية تلك الأحداث حدثت تغييرات مهمة في الجهاز الأمني، كان أبرزها تعيين زكي بدر محافظ مدينة أسيوط وزيرا للداخلية، الأمر الذي شكّل تحولا تصاعديا نحو العنف، فقد قام زكي بدر بتطبيق سياسات الأمن المعمول بها في صعيد مصر، فتحوّلت مصر لساحة حرب مفتوحة بين النظام السياسي والتيارات الإسلامية.
زكي بدر وزير الداخلية المصري السابق


عُرف زكي بدر بمنهجه العنيف بالتعامل مع المعارضين عامة والإسلاميين خاصة، وإعدامهم ميدانيا خارج المحاكمة، كما قام بتشديد إجراءات قانون الطوارئ، وتضخمت قوة الجهاز الأمني وبلغت أوجها في فترة حكم مبارك، "حيث جرى عمليا تهميش الجيوش في مقابل قطاعات الأمن الداخلي، خصوصا قوات الأمن المركزي التي شهدت طفرة في نوعية التسليح وحتى الطعام واللباس بعد تمرد 1986، كما زادت قوة الشرطة من مئة ألف فرد في عام 1974 إلى مليون فرد في عام 2002، لتُشكّل في عهد وزير الداخلية زكي بدر نحو 21% من مجمل قوة العمل في قطاع الدولة. وصار المعدل نحو 25 رجل أمن لكل ألف مواطن، وهو من أعلى المعدلات في العالم"، وارتفعت ميزانية وزارة الداخلية من 3.5% إلى 6% من مجمل الدخل المحلي بين عامي 1987 و2000، وارتفعت رواتب القوى العاملة في الشرطة من 819 مليون جنيه في عام 1992 إلى 3 مليارات جنيه في عام 2002.
   وبعد محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا في 26 يوليو/تموز 1995، زاد تعويل النظام السياسي على أجهزة الأمن، من استخبارات ومباحث أمن دولة، كما زاد نفوذ الشرطة بعد تحوّلها لمؤسسة للترقي الاجتماعي، حيث يذكر عبد اللطيف المناوي، الذي أصبح أحد أركان إعلام نظام مبارك بصفته مديرا لقطاع الأخبار، "أن هناك من أصبح مستعدا لدفع رشاوى تصل إلى 200 ألف جنيه لقبول أبنائهم في كليات الشرطة، فوظيفة الضابط تؤمن سلما اجتماعيا اقتصاديا تتوق لامتلاكه أي عائلة متوسطة لتحسين وضعها الاجتماعي".
ومع دخول مصر القرن الحادي والعشرين، أصبحت مؤسسة الشرطة في مصر مؤسسة مسيسة بالكامل لصالح النظام السياسي ، غير أنها انفصلت تماما عن أي قواعد قانونية، وأصبحت الممارسات القاسية من تعذيب وقتل هي السلوك الأساسي، بجانب الاستعانة بالمجرمين السابقين والمحكوم عليهم بالإعدام أو المؤبد ليكونوا مثل كلاب صيد أو بلطجية تحت طوع ضباط الشرطة، "وشوهد هؤلاء بمديريات الأمن ومقار الشرطة يجالسون رتبا قيادية مقابل أدائهم لتكليفات، حتى أصبح لهم سطوة ونفوذ مستمر بمناطقهم لسنوات".
العقلية الأمنية تحكم مصر
في 25 يناير/كانون الثاني من عام 1989، أجرت مجلة الشرطة استطلاعا للرأي تدعو فيه القراء إلى إبراز السلبيات التي يرونها في جهاز الشرطة المصري، وكانت المؤسسة الأمنية الأقوى حينذاك تتوقع مديحا في أدائها، وقد شمل الاستطلاع ثلاثة وثلاثين اسما لشخصيات معروفة في ذاك الوقت، ينتمون إلى تيارات فكرية مختلفة، فجاءت نتائجه بمنزلة انعكاس صادم للواقع.



فقد ذكر ما يقرب من ثلثهم أن كبرى سلبيات جهاز الشرطة هي "المعاملة السيئة التي يلقاها المواطن العادي، أي من غير المعارضين السياسيين، من رجال الأمن في الشارع والأقسام، وذكر ما يقرب من ستة أو سبعة كُتّاب أن عدم احترام الشرطة للقوانين هو المأخذ الأول، وتوزعت آراء الباقين بين اهتمام الشرطة بالأمن السياسي على حساب الأمن الجنائي، وسوء المظهر العام لأفرادها.. وذكر بعض من استُطلعت آراؤهم وقائع شَهِدوها بأنفسهم حملت انتهاكات لفظية ومعنوية لكرامة المواطنين، وعنفا واعتداء ماديا على أجسامهم".
فمثلا وصف الكاتب الساخر محمود السعدني موقفا لضابط "تعطلت سيارته في الشارع، فما كان منه إلا أن قام بضرب شاب من المارة رفض أن يطيع أمره وأن يساعد الجنود في دفعها، ثم مشهدا آخر لمواطن تلقى ضربات بالكفوف والقبضات في أثناء إلقاء القبض عليه في الشارع بغير أن يبدي أي مقاومة لأفراد الشرطة، وثالثا لضابط استخدم ألفاظا بذيئة في سب عدد من العمال والفلاحين البسطاء المسافرين إلى العراق دون أي سبب مفهوم".
وعبّرت الكاتبة سكينة فؤاد عن استيائها من سلوك الشرطة فكتبت: "وكأن الشرطة لم تعد في خدمة الشعب، وأنها على خلاف معه"، وذكر يوسف القعيد أنه يرى في تصرفات الكثير من رجال الشرطة ما يشير إلى أن الشرطة أصبحت في خدمة الدولة لا الشعب، وفي السياق نفسه استنكر وزير الداخلية حينذاك زكي بدر دفاع نشطاء حقوق الإنسان عن حق المواطن في أن ينال معاملة إنسانية كريمة بلا عنف وبلا إساءة، فقال: "الذي أتحفظ عليه هو أن المنادين بحقوق الإنسان يعدون الإنسان صاحب الحقوق هو الإرهابي واللص وتجار المخدرات ومن على شاكلتهم".
إلا أن هذا الاستطلاع وتلك الحرية في كتابة الآراء والنقاش قد انتهت للأبد، وكان ذلك آخر استطلاع تجريه الحكومة المصرية عن أي شيء يخص أي شيء، ولم يأت عام 2002 إلا بفاتورة ضخمة من التعذيب والعنف والقتل الذي مارسته الشرطة المصرية، فورد إحصاء بأقسام الشرطة التي أبلغ مواطنون عن تعرضهم للتعذيب فيها وبلغ عددها ثمانية وثلاثين قسما، أما في الفترة ما بين العام 2003 و2006 فقد بلغ العدد ما يزيد على الثمانية والثمانين قسما للشرطة، مورس فيهم العنف والتعذيب.  فقد أصبح التعذيب والإهانة والعنف نمطا شائعا ومعتادا ضد أي شخص من قِبل أفراد الشرطة، وقد تضاعف عدد من تعرضوا للعنف والتعذيب أكثر من ثلاث مرات بين عامي 2000 و2008، ثم تضاعف بعد ذلك إلى ما شاء الله في عهد الجنرال.
يقسم العقل الأمني مصر إلى ثلاثة أقسام منفصلة لها حدود واهنة يمكن عبورها أو تغييرها بسهولة: قسم الأصدقاء، قسم الأعداء، ثم قسم يضم كل هؤلاء الذين لم يتم تصنيفهم


رويترز
خلال فترة حكم مبارك، نضج العقل الأمني للنظام السياسي في مصر، وبعد المواجهات المتكررة مع خصومه الإسلاميين في عامي 1954 و1965، ثم مواجهة احتجاجات 1968 و1972، ثم احتجاجات 1977، ثم مواجهة تمرد الأمن المركزي 1986، والحرب على التيارات الإسلامية خلال فترة التسعينيات، تكوّن العقل الجمعي للجهاز الأمني في مصر، عقل يتسم أولا بالولاء الكامل للنظام السياسي التابع لدولة يوليو ومعادٍ لأي اتجاه سياسي خارجها، وثانيا يعتبر الإسلاميين هم الخصم الأول لذلك النظام السياسي، وأي مظهر من مظاهر التدين هو اتجاه للتطرف الذي قد يُشكّل تهديدا للنظام السياسي وبالضرورة للجهاز الأمني، فلا يرى الجهاز الأمني الإسلاميين إلا شياطين تريد سرقة السلطة منهم. 
وفي ضوء ذلك يقسم العقل الأمني مصر إلى ثلاثة أقسام منفصلة لها حدود واهنة يمكن عبورها أو تغييرها بسهولة: قسم الأصدقاء، قسم الأعداء، ثم قسم يضم كل هؤلاء الذين لم يتم تصنيفهم، أي "المتعايشين مع الأوضاع". يُصعد النظام إلى خانة الأصدقاء من يُسند إليهم الوظائف العليا والقيادية، ويصطفيهم إلى الدوائر المقربة، ويضع في أيديهم مفردات السلطة ويسلط عليهم الأضواء، أما خانة الأعداء، فتتوجه إليها اليد الباطشة للنظام لفرض السيطرة الكاملة عليها، ولتؤكد أن هؤلاء الاشرار ليسوا بمأمن وليسوا بعيدين عن المنال، وأن مصلحة النظام تعلو فوق الجميع وفوق القانون.
أما الخانة الثالثة، فيعتبرها النظام خانة المهمشين الذين لا ينتمون لأي فصيل سياسي أو اتجاه فكري واضح، ولا يهتمون سوى بالحياة العادية ومتطلباتها، لكنّهم مرشحون دائما من قِبل الأمن كقائمة احتياطية لخانة الأعداء، فطالما بقوا دون أي تذمر حتى لو أن الأمر يهدد حياتهم فعليهم الموت بصمت، وإلا تضيفهم الشرطة فورا لخانة الأعداء، حتى اتسعت تلك الخانة في نهاية حكم مبارك والحكم الحالي لتسع الكتلة الهائلة من جمهور الشعب. 
  أدّت كل الأحداث السياسية السابقة والتغيرات في عقل الأمن إلى تفشي الواسطة والمحسوبية
رويترز
 ويلخّص هادي العلوي الأمر قائلا: "ينشأ لدى أركان النظام حافز الاستحواذ على السلطة كونها قيمة مستقلة عن وظيفة الدولة الاجتماعية، تُمكّنها من تحقيق مصالح خاصة، ومن الاستئثار بالمزايا التي توفرها قيادة الدولة، التي تنتج بدورها عن امتلاك أداة للقمع وعن التمتع بالقدرة على توجيه الآخرين وتسيير المجتمع، وحينما تتعدد حوافز القمع، فإنها تخرج بممارسة العنف عن الغرض السياسي المحض لتصبح جزءا من السلوك اليومي، أي نزوعا يتم التعامل به مع سائر فئات المجتمع على اختلاف مواقعها".(15)
الشرطة المصرية مرتع الفساد والاستبداد
أدّت كل الأحداث السياسية السابقة والتغيرات في عقل الأمن وتحوّل الجهاز الأمني لملكية خاصة للنظام السياسي إلى تفشي الواسطة والمحسوبية، وسعى كل لواء أو رجل مهم إلى إلحاق نجله بكلية الشرطة بهدف قضاء فترة التجنيد أو لضمان وظيفة برعاية والده بعد التخرج، أو للعبور منها للالتحاق بسلك النيابة والقضاء.
ويذهب الاقتصادي عبد الخالق فاروق إلى أن جهاز الأمن المصري من أضخم أجهزة الأمن في العالم، من حيث الحجم والعدد، فقد زاد عدد أفراد وزارة الداخلية من 214 ألفا في عام 1970 إلى أكثر من 1.5 مليون بما فيهم من شبكات للتجسس والمرشدين والمخبرين عشية ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011. ويضيف فاروق أن هذا الحجم الضخم لمؤسسة الأمن قد امتلأ بالفساد الإداري الذي يبدأ من الاختيار الفاسد لأغلب قيادات الوزارة ومناصبها المهمة مثل: "أمن الدولة - مصلحة السجون - مديريات الأمن"، ويمتد لصلات القرابة لقيادة الوزارة أو المتحلقين حولهم.
"كما استعمل الوزير الرخصة التي أتى بها بتعديلات قانون هيئة الشرطة في شأن التجديد للقيادات العليا والمتوسطة، بدءا من رتبة العقيد وحتى اللواء، وإقصاء كل من تُثار عليه الشكوك حول ولائه أو عدم انصياعه للأوامر.. فمثلا بالنسبة لوحدة مباحث القسم فكان يتم اختيار بعض رؤساء مباحث القسم بمواصفات محددة، منها أن لديه القدرة على تزوير الانتخابات وترويض البلطجية في دائرته لقمع المعارضين السياسيين وقمع الناخبين، وكذلك قدرته على عمل شبكة علاقات مع التجار والمقاولين في دائرته ليتكسب بطريقة غير مشروعة من شقق وأراض وب يزنس، وهذا لا يتم إلا بترضية قياداته حتى ينعم بهذا الفساد". 



"كذلك يتم اختياره بناء على قدرته على الاهتمام ببلاغات الكبار والأثرياء، وهذا بفضل الإحصائية الشهرية التي تطلب من ضباط المباحث، هذا فضلا عن أمناء الشرطة أو الأفراد الذين تولوا أعمال بلوكامين المباحث، والذين أثروا من عملهم بفرض إتاوات على المجرمين والمتهمين، بالإضافة إلى تلقي رُشًى من سائقي الميكروباصات وسيارات النقل والأجرة في مزلقانات القطارات، ومواقف الميكروباصات نهارا جهارا بالطريق العام، نظير التغاضي عن تحرير المخالفات، أما مأمور المركز أو القسم فكان يتم اختياره بمواصفات القيادات نفسها، مطيع لقياداته في تنفيذ التعليمات ولو ضد القانون، وطالما له ملف يكون أداة في يد مدير الأمن ينفذ أي شيء من أجل البقاء والصعود للمناصب الأعلى".
ولا يكتمل مستنقع الفساد الذي تغرق فيه مؤسسة الشرطة إلا بكشف تورط وزارة الداخلية بأكملها في أنشطة تجارية واقتصادية، تصل لتورط بعض كبار رجال الأمن في شبكات لتهريب الآثار وبيع المخدرات وغسيل الأموال، والاستيلاء على أراضٍ وأموال عامة. وتنفق الوزارة الملايين على شراء شاليهات ووحدات سكنية، واستخدم رجال الأمن نفوذهم في تأسيس مشروعات تجارية كبرى دون تكاليف وبتسهيلات حصلوا عليها بصفتهم الوظيفية، ثم تولي مناصب حكومية مثل منصب المحافظ بعد خروجهم على المعاش.(16)
وأدّى تغول مباحث أمن الدولة المعروفة حاليا بـ "الأمن الوطني" في مفاصل الدولة لدرجة طلب كشوف بأسماء المتقدمين للوظائف الحكومية وبعض الشركات الكبرى خاصة شركات الطاقة والبترول، والكشف على سجلهم السياسي، وإبداء الموافقة أو الرفض بناء على رأي مباحث الأمن الوطني. 
في ضوء كل ذلك، يتضح كيف أصبحت الشرطة تقف على الطرف النقيض لما حدث يوم 25 يناير/كانون الثاني 1952، ونفهم لماذا يصعب على رجال الشرطة أن يتخذوا موقفا سياسيا شجاعا أو أن يقفوا في صف العدالة أو حتى الضمير الإنساني، وننتهي إلى أن الشرطة تحتاج إلى تغييرات جذرية في هيكلها الإداري والبنيوي كي تعود لمهمة حفظ الأمن وإقامة العدل وليس أداة قمع في يد النظام الحاكم.


بعد قرنين من حكم العثمانيين لمصر ، منع الخمور والدعارة



بعد قرنين من حكم العثمانيين
 منع الخمور والدعارة
... عثمان بن أرطغرل - قيام الإمبراطورية ...
العثمانيون أدخلوا الدخان لمصر وللعالم الاسلامي
ثورات الشعب المصري ضد المماليك والعثمانيين
.. بدأت في القرن 17 ..
حصيلة الفتوحات العثمانية في أوروبا تلخصت في البلقان


 (هذه دراسة غير منشورة وغير مكتملة بعد لمجدي حسين رئيس حزب الاستقلال ورئيس تحرير جريدة الشعب الذي يقبع الآن مغيبا خلف أسوار السجون بأحكام ظالمة وغير دستورية .. لقد تم ترتيب الجزء المكتوب من الدراسة في حلقات وسننشر تباعا الحلقات الموجودة لدينا لحين خروجه من محبسه وإكمال عطائه الفكري والسياسي والذي نأمل أن يكون قريبا)
العثمانيون أدخلوا الدخان لمصر:
نواصل استعراض الحكم العثماني لمصر قبل محمد علي بعد فشل محمد باشا الشريف في إصلاح شئون العسكر وعزله أرسل الباب العالي من هو أسوأ منه، أرسل خضر باشا في بداية القرن السابع عشر الميلادي . وكان من الولاة الجشعين الذين يميلون لجمع المال بكل الوسائل، فأغضب الأهالي إذ أمر بقطع جميع الأعطيات التي كانت توزع على العلماء والفقراء من القمح وانضم الجند إلى الأهالي عندما قطع عنهم بعض أعطياتهم، فثاروا وأخذوا القاضي وزحفوا على الديوان فقتلوا نائب الباشا ( الكخيا) وبعض الأمراء واضطر الوالي إلى التسليم بمطالب الجند والأهالي فخمدت الثورة ولكن تم عزله وفي هذه الفترة ( بداية القرن 17م ) بدأت عادة شرب الدخان لأول مرة في مصر، وفي عهد السلطان أحمد خان المتوفي في 1617 أبيح إستعمال التدخين رسمياً في الدولة العثمانية وكانت هولندا هي التي أدخلت عادة التدخين إلى البلاد الإسلامية وكان التدخين قد وفد إلى أوروبا بعد إكتشاف أمريكا .
وقد قوبل التدخين في بادئ الأمر بالإعتراض وأصدر مفتي السلطنة الفتاوي بإنكاره ولكن الجنود سخطوا على هذه الفتاوي واشترك معهم بعض كبارموظفي القصر السلطاني وانتهى الأمر إلى إباحته .
 ثورات الشعب المصري تنجح في عزل الولاة:
ليس صحيحاً أن ثورات الشعب المصري في بداية القرن التاسع عشر 1801 – 1805 للإطاحة بالوالي العثماني واستجابة الباب العالي لها قد حدثت لأول مرة وهي الثورات التي انتهت بولاية محمد علي 1805، ولكن تاريخ مصر العثماني يشهد على سوابق عديدة ومنها على سبيل المثال ثورة شعب مصر على موسى باشا السلحدار الذي كان يجمع ضرائب إضافية ويختلسها لنفسه، حيث اجتمع أهل الحل والعقد في جامع السلطان حسن وهم العلماء والقضاة والسناجق وأمراء المماليك وزعماء الوجاقات ورفعوا للباب العالى مطلب الشعب بإقالة موسى باشا واستجاب الباب العالي . ( أواسط القرن السابع عشر )
1645غزو جزيرة كريت :
في عهد السلطان مراد الرابع تم غزو جزيرة كريت وهي آخر جزيرة في شرق المتوسط كانت لاتزال في يد البندقية وتم الإستيلاء عليها عدا قلعة كنديا.
ازدياد نفوذ المماليك:
في منتصف القرن السابع عشر بدأ يتضح زيادة نفوذ المماليك (1647) وتحولهم إلى القوة الأولى في مصر، حيث كانوا هم العنصر الدائم، في حين كان الولاة في تغير دائم، وبدأ انقسام المماليك إلى حزبين أو فريقين، كل حزب يسعى إلى السيطرة وحده، وهو الأمر الذي ظلت تعاني منه البلاد حتى مجئ الحملة الفرنسية في آخر القرن الثامن عشر .
1648 حكم السلطان محمد الرابع :
تميز هذا الحكم بتولي محمد كوبريللي منصب الصدر الأعظم وهو من رؤساء الوزراء المميزين من نوع صقللي باشا السابق فلعب دوراً كبيراً في وقف تدهور أحوال الإمبراطورية،  حيث قام بمحاولة جادة لكسر شوكة الانكشارية، وأخذها بالشدة والصرامة وقتل القادة غير الأكفاء وطهر البلاط، وهزم أسطول البندقية وطردهم من الجزر التي احتلوها في مدخل الدردنيل رافعاً بذلك الحصار عن الدولة. وفي عهد ابنه أحمد كوبريللي تواصلت المسيرة وهزم النمسا هزيمة منكرة ( وكانت من أهم الدول العظمى في أوروبا ) وفتح قلعة كنديا في كريت وأجبر البندقية على التنازل عنها ومن آيات العظمة العثمانية في ذلك الوقت (1676) أن بولندا أغارت على أوكرانيا فاستنجد حاكم الأخيرة بالدولة العثمانية فأنجده السلطان محمد الرابع وسار بنفسه على رأس جيشه . وانتصر على البولنديين الذين تعهدوا بدفع جزية سنوية قدرها 220 ألف بندقي ذهب والإعتراف بسيادة الدولة العثمانية على أوكرانيا .( أوكرانيا التي فجرت في بداية هذا العام 2014 الصراع بين روسيا والغرب فيما يعرف بحرب القرم ) ! وظلت الحرب تتجدد مع بولنده حتى عقدت معاهدة زورانتا التي تم الإعتراف فيها بحق الدولة العثمانية في معظم أوكرانيا، ولكن هذا التطور هو الذي وضع الدولة العثمانية وجهاً لوجه أمام القوة الجديدة قوة روسيا النامية .
1682 المماليك يحكمون السيطرة على مصر :
انشغل المماليك انشغال الدولة العثمانية في حروب طاحنة في أوروبا لتعزيز قوتهم في مصر واكثروا من شهر السلاح في وجه الولاة، الذين لم يعودوا يملكون حولاً أو طولاً فالوجاقات التي كانت ترابط في مصر كانت قد أصبحت مصرية، تتألف من جنود ولدوا في مصر وارتبطت مصالحهم بمصالح أمراء مصر من المماليك فأصبحوا أطوع لهم من الولاة العثمانيين وبدأ المماليك يستكثرون من جديد من شراء المماليك خالقين منهم قوة وعزوة لايسهل قمعها وخاصة عند اتحاد المماليك وهو مايحدث من حين لآخر.
1699-1703 روسيا دولة أوروبية جديدة في المعادلة :
شهدت نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر اشتداد ساعد الدولة الروسية الصاعدة التي كانت مضعضعة بعد ثلاثة قرون من الإستباحة التتارية لها . وأصبحت الدولة العثمانية تواجه ضغطاً من الشمال بعد أن كانت تواجه ضغطاً من الغرب فقط . في عام 1699 اضطرت الدولة العثمانية في معاهدة كارلوفتز إلى التنازل عن المجر وترنسلفانيا للنمسا وعن مدينة آزاق ومينائها لروسيا وبذلك أصبحت روسيا تطل على البحر الأسود ( وهي عقدة روسيا المستمرة حتى بوتين الآن لأنها بدون ذلك تصبح مجرد دولة برية محاصرة عدا شهور قليلة من خلال البلطيق أو في آخر الشرق على المحيط الهادي !!) كما تنازلت الدولة العثمانية عن أوكرانيا لبولندا وتنازلت للبندقية عن إقليم دلماسيا على بحر الأدرياتيك وفي عام 1703 نجح الانكشارية في عزل السلطان مصطفى الثاني عندما حاول إصلاح أحوالهم، وتولى السلطان أحمد الثالث وفي عهده حاول بطرس الأكبر مؤسس دولة الروس اجتياح الدولة العثمانية ولكن هزم هزيمة منكرة كادت تودي بالدولة الروسية الوليدة لولا أن كاترين ( زوجة بطرس فيما بعد) وكانت تصاحبه استطاعت أن تقنع القائد العثماني بعد أن غمرته بالمجوهرات الثمينة أن يعقد صلحاً، تعيد روسيا بمقتضاه للدولة العلية مدينة آزاق وأن تتعهد بأن لاتقترب من شواطئ البحر الأسود فضلاً عن أن تكون لها سفن فيها .
1715 استرداد اليونان واستكمال كريت :
في هذه السنة استردت الدولة العثمانية شبه جزيرة المورة ( اليونان ) من البنادقة كاملة وإخراج البنادق من آخر مواقع لهم في جزيرة كريت، ودائما كانت نتائج الصراعات المسلحة في اوروبا هي ترمومتر صعود أو هبوط الحالة العثمانية ولكن المشكلة أن هذه الانتصارات المتقطعة كانت تصيبهم بالنشوى وبحالة كاملة من الرضاء عن النفس ولم يلتفتوا لجوانب الصراع الأخرى أو بالأحرى ضرورات التطور والبناء الإقتصادي وتعزيز لحمة كافة أطراف الدولة الإسلامية. في عام 1724 تم تقسيم ايران بعد تدهور أحوال الدولة الصفوية، بين الدولة العثمانية وروسيا
والي عثماني يمنع الخمور والدعارة في مصر :
في عام 1728 جاء إلى مصر والي جديد في محاولة لوقف الفتن بين حزبي المماليك : الفقارية والقاسمية وكان كيورلي زادة عبدالله باشا، ونجح في ذلك وتصفه أوراق التاريخ بأنه كان من الرجال الصالحين الأفاضل الذين لايسعون في إيقاد الفتن وكان رجلاً متديناً ( وكأن هذا غير متوفر فيمن سبقوه ) منقاداً للشريعة ولذلك فقد اصدر أمره بإبطال المنكرات والخمامير ومواقف الخواطئ ( اي اماكن البغاء ) والبوظ ( محل شرب البوظة ) وجعل لوالي القاهرة والمقدمين الذين كانوا يتكسبون من ضرائب هذه المنكرات ( لاحظ !!) راتباَ يتقاضونه ( كتفويض ) وكتب بذلك حجة شرعية لعن فيها كل من يتسبب في رجوع ذلك . وهذا بعد أكثر من قرنين من حكم العثمانيين لمصر . مع الأسف لم أستطع تتبع إلى متى تم الالتزام بذلك فهذا يحتاج لمؤرخ محترف ومتفرغ . نرى أن المؤمنين يتعين ألا ينزعجوا بشدة من هذه الأخبار . فهذا هو حال الدنيا بين مد وجذر وبين حق وباطل حتى في ظل حكم إسلامي وهذا درس حتى لايفرط الإسلاميون في التكفير وإلا سيكفرون كل التجارب الإسلامية . كذلك يجب أن يتعلموا التواضع في تقييم الأنظمة الوطنية وكل هذا دون أي تساهل في العقائد او الإيمان بالمرجعية الإسلامية . غاية ما هناك ألا يتملكنا الغرور، وأن نعمل بصبر لمعالجة هذه الانحرافات كلما ظهرت في مجتمعات المسلمين وأن نهتم أكثر بالبناء الروحي والأخلاقي والثقافي الإسلامي والاستفادة في ذلك من كل الوسائط الإعلامية والفنية، وألا ندفع للحكم إلا الأكثر كفاءة والأكثر اقتراباً للمعايير الإسلامية من أولي الأمر السياسيين فالقدوة الصالحة هي الأهم في تربية الشعوب وإصلاحها .


المطبعة تدخل لأول مرة الدولة العثمانية:
دخلت المطبعة لأول مرة إلى الدولة العثمانية عام 1730 بعد أن كانت قد انتشرت في أوروبا وكانت أحد الأسباب في نهضتها الحديثة، إذ وسعت نطاق العلم والمعرفة، والحقيقة فهذا تأخر كبير في إدخال المطبعة والتي كانت معروفة وغير سرية في أوروبا وكان هناك قرار سياسي أمني ألماني بعدم إدخال المطابع لأن إدخال المطابع لن يضمن السيطرة على انتشار الأفكار، وهذا موقف غير حضاري يؤكد جوانب الضعف القاتلة في التجربة العثمانية وكنا قد أشرنا في هذه الدراسة من قبل إلى أن الكوريين عرفوا الطباعة بالأحرف المعدنية المنفصلة عام 1234 أي في القرن الثالث عشر الميلادي بل أن الصين سبقت ذلك بالطباعة بالقوالب الخشبية مع نهاية القرن الرابع الميلادي وهو الأسلوب الذي انتقل إلى كوريا في القرن السابع وأخيراً ظهرت مطابع أوروبا من إختراع جوتنبرج في 1455 أي في القرن الخامس عشر والباحثون لايستبعدون أن تكون هذه التقنية الصينية – الكورية قد وصلت إلى أوروبا الغربية عبر طريق الحرير إلى القسطنطينية قبل إحتلال العثمانيين لها !! لاحظ أن محمد الفاتح فتح اسطنبول عام 1475 م أي بعد تاريخ ظهور مطبعة جوتنبرج بعشرين سنة .
لووجدنا العذر في أن العثمانيين لم يدركوا تطور الطباعة في الصين وكوريا فلن نجد لهم عذر في عدم إدراك أهمية المطبعة التي انتشرت في أوروبا من حوالي 280 سنة قبل أن يسمح لها بالدخول إلى اسطنبول وهذا يؤكد ما اطلعت عليه في إحدى المراجع من أنه كان قراراً سياسياً أمنياً !!
وأضف إلى كل ذلك أن حركة مارتن لوثر لإصلاح الكنيسة وتأسيس الحزب البروتستانتي عام 1526 الذي تحول إلى المذهب البروتستانتي، قد اعتمد على وجود المطابع لطباعة الإنجيل الذي كانت الكنيسة الكاثوليكية في روما تحرم طباعته أو الإطلاع عليه إلا لرجال الدين وحدهم. اذن المطبعة استخدمت في حركة تنويرية مسيحية قبل قرنين من دخول المطبعة إلى عاصمة الإمبراطورية الإسلامية ! وهذه أحد مؤشرات الهبوط الحتمي بل والانهيار الكامل لهذه الإمبراطورية في أوائل القرن العشرين ولكن الترمومتر الأوروبي مايزال يعمل !
كما ذكرنا فإن المعارك الحربية مع أوروبا كانت هي ترمومتر قياسي للحالة العثمانية، حتى يدرك المسلمون متأخراً إن الصراع ليس عسكرياً فحسب بل أيضاً هو صراع حضاري شامل إقتصادي –صناعي – تكنولوجي – علمي – ثقافي وكل هذه المحاور كانت معطلة، ففي عام 1735 انتصر العثمانيون على النمسا وروسيا معاً وتم توقيع معاهدة بلغراد وبموجبها أرجعت النمسا مدينة بلغراد وكل أراضي الدولة التي كانت قد استولت عليها وكذلك فعلت روسيا وتعهدت بعدم وجود أي مراكب حربية أو تجارية لها في البحر الأسود أو بحر أزوق.
محاولة عثمانية يائسة للقضاء على المماليك :
لم تنجح الدولة العثمانية في خطتها الرامية إلى إضعاف سلطة المماليك عن طريق تأليبهم على بعضهم . فبدأت تزود ولاتها بأوامر شديدة للعمل على إبادتهم أو بالأحرى إبادة زعمائهم ولكن الولاة عجزوا عن تحقيق هذا الهدف فقد كانت الوجاقات العثمانية التي انقطع تغييرها وتبديلها قد أصبحت وجاقات مصرية أكثر منها تركية فقد تزوج أفرادها في مصر كما ذكرنا والتحق بصفوفها تجار وصناع وفنيون من مصر لينالوا حمايتها ولم يلبث أن أصبح رؤساء هذه الوجاقات من المماليك انفسهم وهكذا تحولت الوجاقات كلها وعلى رأسها وجاق الانكشارية إلى قوة مصرية تنسق تصرفاتها بما يحقق مصالحها التي أصبحت تنسجم مع الأمراء المصريين وليس مع الباب العالي .
حصيلة الحرب المميتة المتواصلة في أوروبا:
في 1774 انتهت الحرب المستمرة بين الروس والعثمانيين بهزيمة الجيش التركي فأبرمت معاهدة كينارجي وبموجبها اعتبر التتار بالقرم مستقلين على شرط اعترافهم بالسلطان العثماني كخليفة لهم، وهذه اول مرة يستخدم العثمانيون الخلافة باعتبارها رابطة دينية روحية وأعيدت الأفلان والبغدان ( رومانيا الحالية ) لتركيا شريطة أن يجري الحكم فيها على سياسة اللين .


وحصلت روسيا في مقابل ذلك على حصون في القرم مع الإعتراف بحقها في الملاحة بالبحر الأسود وفي المياه العثمانية كلها وحقها في بسط حمايتها على المسيحيين الأرثوذكس في الدولة. وصرح بلروس ببناء كنيسة كبيرة في أسطنبول، وهكذا تحقق للروس ماكانوا يطمعون فيه منذ قامت دولتهم، وهو أن يعتبروا ورثة الدولة البيزنطية ورعاة الكنيسة الشرقية وكانت هذه المبادئ هي التي صارت فيما بعد الأساس الذي بنت عليه روسيا تدخلها في شئون الدولة العثمانية . وهنا لنا وقفة مهمة فالدولة العثمانية بذلت قصارى جهدها بل معظم قواها لحروب أوروبا التي غلب عليها طابع الكر والفر، وضم الأراضي ثم خسارتها وهو أمر يذكرنا بصراعات الدولة العباسية الأولى مع الدولة البيزنطية منذ تأسيس الدولة العباسية عام 132 هـ حتى 232 هـ ( 749 م حتى 849م ) حيث كان الصراع يجري معظمه في المناطق الحدودية بين الشام والأناضول ثم عبر هضبة الأناضول كلها حتى سواحل البسفور ولكن دون تمسك بالأرض أو توسيع الدولة الإسلامية إلا في نقاط حدودية شمال الشام تقع الآن داخل تركيا المعاصرة كانت حروب تدمير متبادل وقتل وأسرى وإجبار البيزنطيين على دفع الجزية  دون أي توسع حقيقي للدولة الإسلامية في معظم هضبة الأناضول والمعروف أن فضل دولة السلاجقة ثم الدولة العثمانية هو تتريك هضبة الأناضول وإقامة مجتمع إسلامي فيها حتى حدود أوروبا ثم حتى فتح القسطنطينية وإقامة جزء أوروبي صغير لتركيا في أوروبا بعد عبور البسفور. معظم حروب العثمانيين في أوروبا الشرقية كانت شبيهة بأسلوب الدولة العباسية مع الدولة البيزنطية لكن الدولة العثمانية حققت نجاحاً أكبر في محاولة لخلق مجتمعات إسلامية حقيقية في شرق أوروبا في المجر ورومانيا واليونان وشبه جزيرة البلقان وجزر شرق المتوسط وبلغاريا وشمال البحر الأسود فيما يعرف الآن بمنطقة شبه جزيرة القرم وماحولها. ومع إدراكنا لحقيقة التطهير العرقي والديني الذي قامت به أوروبا في مناطق شرق أوروبا وإبادة المسلمين في مرحلة تراجع وإنهيار الدولة العثمانية وهو ماحول المسلمين إلى أقليات محدودة مهيضة الجناح وأحياناً شبه معدومة كما هو الحال في بلغاريا ورومانيا واليونان والمجر إلا أن مجتمع المسلمين قد صمد إلى حد كبير في أجزاء من البلقان: البوسنة والهرسك وألبانيا وكوسوفا مع أقليات مسلمة مقدرة في سلوفينيا ومقدونيا وهي الدول التي انبثقت من الدولة اليوغسلافية الإتحادية الشيوعية التي كانت تحت قيادة بروزتيتو ثم انهارت في إطار انهيار المعسكر الشيوعي وإنحلت إلى عناصرها الأولى عدا ألبانيا التي ظلت دولة مستقلة طول الوقت .
فعندما يتحول شعب بأكمله للإسلام يصعب إبادته وهذا ماتحقق في البوسنة والهرسك وألبانيا وكوسوفا . 
وإن جرت محاولات جادة لإبادته كما رأينا في آواخر القرن العشرين على يد الصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك ولكن الشعب المسلم صمد في حرب بطولية بقيادة علي عزت بيجوفيتش كرم الله ثراه ( تشرفت بلقائه مرة في القاهرة وأحببته واحترمته وقرأت كتبه واستفدت منها والتي كتبها في سجون الشيوعية في عهد تيتو) فمسلموا البلقان وشرق أوروبا تعرضوا في آخر مرحلة لحرب إبادة شيوعية وصلت إلى حد منع الأسماء العربية والمسلمة للمواليد، بل وشطب الأسماء العربية ذات  الطابع الإسلامي على شهود مقابر المسلمين كما حدث في بلغاريا الشيوعية وخضنا حملة على ذلك في جريدة الشعب، وأذكر أن مندوباً من السفارة البلغارية طلب لقائي كرئيس تحرير وزارني في مقرنا البرلماني في مجلس الشعب وكنت عضواً به ( 1987-1990) وعندما حضر حاول أن ينفي صحة المعلومات المنشورة ولكنه لم يكن مقنعاً ولم يقدم لي أي رد مكتوب وكانت معلوماتنا صحيحة 100% كذلك فإن المسلمين في رومانيا والمجر أبيدوا إلى حد الإقتراب من الإختفاء النهائي أما بالنسبة لبلغاريا فقد زرت عام 1970 ( في رحلة شبابية ) بلغاريا وذهبت للصلاة في المسجد الوحيد في العاصمة صوفيا وكان خلواً من المصلين تقريباً والتقيت مع عدد ضئيل من العرب المقيمين في بلغاريا وكان شيخ المسجد بلغارياً واستضافني في بيته وكانت حالته الإقتصادية والإجتماعية بائسة للغاية، وحدث في اليونان شئ من ذلك بحيث تمت محاصرة المسلمين في أقصى الشرق في منطقة تسمى تراقيا الشرقية مع الصعوبة الشديدة لإظهار الإسلام أو إقامة مسجد.
ومؤخراً في القرن الواحد والعشرين كانت هناك معركة لبناء مسجد واحد في أثينا ولا أعلم هل كللت بالنجاح أم لا؟
بل ان المسلمين في أثينا يجدون صعوبة بالغة في توفير مقابر يدفنون فيها، فهم محرومون من الوجود أحياء أو أموات !!
لم ينجو من هذه الإبادة إلا المجتمعات المسلمة في البلقان لأن الدولة العثمانية عمقت جذور الإسلام في هذه المنطقة وأخذت منها عناصر الإنكشارية الأولى التي تعلمت الإسلام وتفقهت فيه نسبياً، واستعانت بهم في بناء الدولة وكان منهم الوزراء وهم يسمون (البوشناق ) وهؤلاء مواطنون بلقان أصلاء وليسوا أتراك مستوطنين وهذا ماضمن استمرار الإسلام في هذه التربة. وفي إحدى المؤتمرات التي حضرتها في تركيا في زمن حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان كنت في غرفة واحدة مع شابين من سلوفينيا ( هي الآن دولة بلقانية مستقلة بها أقلية مسلمة كبيرة ) كانا مسلمين أحدهما يحفظ القرآن كما قالا ولم يكونا يتحدثان العربية بسهولة .


إذاً استقرار الإسلام في البلقان وألبانيا يحسب للدولة العثمانية بشكل كبير ولكنها نتائج محدودة بالنسبة لعدة قرون من الصراع المسلح خاضته الدولة العثمانية في شرق أوروبا حتى وصلت إلى أسوار فيينا لأن الصراع غلب عليه الأسلوب العباسي المشار إليه ضرب القلاع والمدن وجلب الغنائم وفرض الجزية والإنسحاب !! أي الإعتماد على هذه البلدان وإدارتها من خلال الملوك الذين تم إخضاعهم وهزيمتهم في الحروب، ولابأس ولكن أين كان دور الدعوة ونشر الإسلام وتعميق وجوده في هذه البلدان. وكان العثمانيون يكتفون غالباً بالغنيمة والجزية وفرض النفوذ السياسي مع ملاحظة ان هذه الحروب عمقت الكراهية للإسلام في الغرب وإن كانت هذه مسألة لامهرب منها وقد جاء الصليبيون إلى عقر دارنا قبل أن تنشأ الدولة العثمانية، ولكن مايهمنا هو المحصلة النهائية وكذلك يحسب للدولة العثمانية انها كانت رحيمة غالباً في غزواتها في التعامل مع المدنيين ومع الخلاف العقائدي الديني وأنها لم تكره أحداً على دخول الإسلام بعكس مافعل الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا مع بعضهم البعض والذي وصل إلى حد الإبادة الجماعية المتبادلة ( راجع كتابي – أحكام القرآن الكريم في موالاة الكفار والمشركين – الطبعة الثانية ) وهذه شهادة المؤرخين الأوروبيين المنصفين وكذلك شهادة نهرو زعيم الهند في كتبه .
كان لابد من هذه الوقفة التقييمية وهي ليست خروجاً عن دراستنا حول المستطيل القرآني لأن المستطيل القرآني كان جزءاً لايتجزأ من الدولة العثمانية من عام 1517 حتى نهاية الحرب العالمية الأولى 1918 -1919 وحتى لايكون حديثنا عن الدولة العثمانية مبتوراً أو غير منصف .
بداية النفوذ التجاري الإنجليزي والفرنسي في مصر :
بعد القضاء على تمرد المملوكي علي بك الكبير لمصر جاء محمد بك أبو الدهب ليحكم مصر بالأمر الواقع بينما كان خليل باشا الوالي العثماني أشبه بالسجين بالقلعة .
وقع الإنجليز مع محمد أبو الدهب معاهدة تقضي بفتح ميناء السويس للسفن والبضائع الإنجليزية وكان ذلك عام 1774 وكانت الدولة العثمانية تحظر على السفن الأوروبية أن تتخطى ميناء جدة على أساس أن مياه البحر في هذه المنطقة جزء من الأرض المقدسة وذلك منذ محاولات البرتغال الإعتداء على الحجاز .
 وفي العام التالي 1875 استطاعت فرنسا ان تلحق بإنجلترا في نشاطها الإقتصادي بمصر فأبرمت مع مراد بك قائد المماليك مع إبراهيم بك في إطار حكمهما الثنائي لمصر، أبرمت معاهدة تخول للتجار الفرنسيين والسفن الفرنسية إمتيازات وتسهيلات جمركية في الموانئ المصرية تفوق تلك التي حصل عليها الانجليز بموجب معاهدتهم مع محمد أبو الدهب الذي كانت قد وافته المنية فعادت إنجلترا وعينت قنصلاً عاماً موفداً من وزارة الخارجية البريطانية ليقيم في مصر، وكل ذلك بدون موافقة الباب العالي، لذلك رأى ضرورة التصدي لإعادة سلطان الدولة العثمانية في مصر وإبادة المماليك بصفة نهائية، فأرسلت إلى الإسكندرية أسطولاً وجيشاً تحت قيادة حسن باشا قبطان الذي اعلن أنه جاء ليقتص من الخائنين إبراهيم بك ومراد بك ورفع الظلم عن العباد وإصلاح الأحوال فهرب الإثنان ودخل حسن قبطان باشا القاهرة 1786 وأمر بمصادرة أموال الأمراء الهاربين وعين إسماعيل بك شيخاً للبلد ليكون أداة في يد العثمانيين، ولكنه سرعان ما مات صريعاً للطاعون بعد انسحاب القوات العثمانية فعاد ابراهيم بك ومراد بك إلى القاهرة ( وكأنه مسلسل كوميدي ) وكان بالقاهرة والي لا يهش ولا ينش ! محمد عزت باشا واقترح على الدولة الإعتراف بالأمر الواقع، فصدر من السلطان سليم الثالث مرسوماً بالعفو والإذن لإبراهيم بك ومراد بك بالدخول إلى القاهرة (!!) ولكن الرجلين كان قد دخلا بالفعل وباشرا سلطانهما ولاسلطان إلا بفرض الضرائب على الناس وتحصيلها وممارسة صنوف من الظلم والطغيان .


1795 ثورة شعبية ضد المماليك :
 كانت شرارة الثورة بمظالم ارتكبها محمد بك الألفي أحد زعماء المماليك الذي أشرنا إليه مراراً، مظالم ارتكبها في بلبيس، واشتكي الفلاحون لشيخ الأزهر عبد الله الشرقاوي كما عرض هذه الشكاوي على مراد بك وإبراهيم بك دون جدوى . دعا مشايخ الأزهر إلى الإضراب العام بغلق المتاجر والحوانيت واعتصموا هم بالجامع الأزهر، واستجابت الجماهير لندائهم واحتشدت الألوف حول الأزهر هائجة مائجة طوال الليل وفي اليوم التالي سارت هذه الجموع في مظاهرة حاشدة إلى بيت الشيخ السادات وهو مجاور لقصر ابراهيم بك فهالته هذه الجموع الغاضبة واضطر زعماء المماليك إلى التراجع عن المظالم المحدثة وإلغاء كل الضرائب من نوع الكشوفيات والتفاريد والمكوس وأن يكفوا أتباعهم عن السطو على أموال الناس وأن يدفعوا لأصحاب الحقوق المتأخرة 750 كيساً وأن يرسلوا غلال الحرمين والأموال الموقفة عليها ..الخ في تعهد مكتوب. وكانت هذه الثورة قبل مجيئ الحملة الفرنسية وماحدثت خلالها من ثورات وماتبعها من 3 ثورات ضد المماليك والظلم العثماني. أي ثورات على مدار 10 سنوات متصلة ومع ذلك فإن نخبتنا العتيدة في القرن الواحد والعشرين تقول إن شعب مصرخانع ولايثور. والواقع إنه يحتاج لقيادة كي يقوم بثورة ، بل أحياناً يثور وسط خذلان القادة كما حدث في ثورة 25 يناير 2011 التي اندلعت بينما كانت النخبة العظيمة لا تفعل شيئاً إلا مبايعة البرادعي الذي يعيش عادة خارج مصر !! ( انتهي الفلاش باك)
عثمان بن أرطغرل - قيام الإمبراطورية ...


ملاحظة ختامية:
في نهاية هذا (الفلاش باك) وهو عودة للخلف بعد أن كدنا ننتهي من مرحلة محمد علي ولم يتبق سوى فصل او فصلين نقول أن هذه العودة للخلف ( الفلاش باك ) بسبب اطلاعي على عدة آراء ورؤى إسلامية ناقمة على محمد علي وعهده، وتعتبر عهده ردة على الإسلام وتمرد على الدولة العثمانية الاسلامية وماسونية وتغريب وعلمانية وعمالة للانجليز .
وأهم هؤلاء الكتاب : محمد قطب – د. جمال عبد الهادي – د. علي الصلابي – راغب السرجاني.
وكما لاحظتم في هذه المراجعة ( الفلاش باك ) فقد أوضحنا بالحقائق الدامغة التاريخية الحالة الحضارية والاسلامية المتراجعة للدولة العثمانية خلال القرنين 18 و19 حتى لانظلم عهد محمد علي ونمحو منه أهم انجازاته التي عادت بالخير على مصر والعرب والمسلمين بغض النظر عن النوايا .
دعــــــاء :
اللهم إني لا أسعى إلا إبتغاء مرضاتك ولا أروم في الدنيا إلا رفعة هذه الأمة المكلومة والمستنزفة .
اللهم إنا نسألك نصراً عزيزاً مؤزراً .
نسألك أن تلهم أمتنا الصواب وأن توحد شملها المبعثر وأنت سبحانك الذي قلت ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ) ربنا اجعل همومي بأمتي كفارة لذنوبي .
اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا .
وأخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه .


بإختصار.. اعرف عدوك



بإختصار.. اعرف عدوك


للمحبة سبب، وللعداوة ألف سبب، ومهما حاولت أن تفهم، لن تفهم، يكفي أن تعرف عدوك، وتميز بين العدو والصديق، ليست المشكلة فيمن يعارضك، بل فيمن يجاريك، أفضل صديق قد يصبح أسوأ عدو، وأسوأ عدو قد يصبح أفضل صديق، وأحيانا نصبح أسوأ أعداء انفسنا
ونحن نتصارع حول الموارد، وعند تضارب المصالح، وتحركنا غريزة البقاء، خوفا على أنفسنا، أو خوفا من الآخر، الذي نقوم بشيطنته، ونبذه، ومحاولة تحطيمه، وقد نتبادل الكراهية دون سبب، فيما يشبه سلوك القطيع، حدث هذا ويحدث، يكفي أن تنظر حولك.
في العالم صراعات لا تنتهي، بسبب القومية أو الجنس أو الدين أو المذهب أو الطبقة، فلسطينيون وإسرائيليون، سُنة وشيعة، شيوعيون ورأسماليون، كاثوليك وبروتستانت، هندوس ومسلمون، ولن تنتهي تلك الصراعات، حتى تنتهي أسبابها.
وفي الأساطير، دائما هناك بطل، وأيضا عدو للبطل، الأول يرمز للخير، والثاني يرمز للشر، ويدور الصراع، وتتوالى المؤامرات، وتتدخل القوي الخفية، ومن ليس معي فهو ضدي، وعدو صديقي عدوي، وعدو عدوي صديقي، ولكل أسطورة رمز، وأيضا تفسير.
والحكاية غير ما تتوقع، سيبقى دائما من يكرهك، لمجرد أنك مختلف، أو متميز، أو تشكل تهديدا، ولا حل إلا أن تتجنب عدوك أو تتفاوض معه أو تحطمه، لا يوجد خيار آخر، إلا أن يدمر نفسه بنفسه، أو بواسطة عدو آخر، وهنا فقط يمكن أن يحل السلام.
وصدق الاستراتيجي الصيني صن تزو في كتابه (فن الحرب) تنهزم إذا لم تعرف عدوك، وتنتحر إذا لم تميز بين العدو والصديق.
تحت شعار اعرف عدوك.. إسرائيل تعمم تعليم "العربية" لأطفال "المدارس اليهودية" لتأهيلهم كـ"جواسيس".. الخطة تشمل تعلم "العامية المصرية" ولهجات العرب.. وضباط هيئة الاستخبارات العسكرية يتولون تدريسها تحت شعار "اعرف عدوك" كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية، عن خطة دولة الاحتلال الإسرائيلى لتعميم تعليم "اللغة العربية" فى كافة المدارس اليهودية داخل إسرائيل.




بعد عام 1967... بعد نكسة يونيو... أطلق أستاذنا العظيم أنيس منصور حملة «اعرف عدوك».. وكان الغرض من الحملة أن نعرف إسرائيل من الداخل... التركيبة السكانية والعرقية والطائفية ومراكز القرار وطبيعة وتركيبة الجيش الإسرائيلى.. وحكام إسرائيل وسلوك المواطن وعقيدته... وفى نفس الوقت كان المرحوم الدكتور حسن ظاظا أستاذ اللغة العبرية بآداب الإسكندرية يقدم برنامجا فى البرنامج العام اسمه «من قلب إسرائيل» وكان المفكر العظيم عبد الوهاب المسيرى يصدر العديد من الدراسات عن اليهود الصهيونية.. وكان كل ذلك فى إطار حملة أعرف عدوك والتى حققت نجاحا عظيما بعد أن طاف هؤلاء الكتاب والمفكرون الجامعات المصرية والنقابات والمدارس لتعبئة الرأى العام لمعرفة عدوة وكان لهذه الحملة الناجحة دور مؤثر فى انتصار الجيش المصرى فى حرب أكتوبر 73.. التى أعادت الكرامة والعزة والنصر للشعب المصرى وللأمة العربية بعد الهزيمة المؤلمة فى يونيو 1967... لأن الهدف والغاية كان نبيلا ومحترما.. لا اعرف لماذا تذكرت هذا وأنا أطالع حملة اعرف عدوك والتى أطلقها بعض النشطاء بعد ثورة 25 يناير... وشتان بين عدو وعدو..
خصصت صحيفة إسرائيل اليوم العبرية، مساحة كبيرة للحديث عن رحيل الكاتب الصحفى انيس منصور وعن تاريخ حياته وعلاقته بإسرائيل. وأشارت الصحيفة إلى أن منصور كان من المقربين للرئيس السادات وأنه قد استغل زيارة الرئيس المصرى للقدس عام 1977 لمعرفة شخصية اليهود عن قرب وطرق تفكيرهم.
وقالت إن شهرة منصور بدأت فى إسرائيل بعد حرب 1967 عندما رفع شعار "إعرف عدوك" متبنيا حملة شرسة ضد الصهيونية وضد اليهود وعندما زار إسرائيل حاول الإسرائيليون محاسبته على كتاباته السابقة فرد عليهم بأن القلم وقت الحرب بمثابة المدفع فى يد الكاتب، وأن وضع كهذا يجعل الصورة غير واضحة عدا حقيقة أن أمامه عدو وعليه أن يموت هو أو يموت عدوه، ولا خيار ثالث.
وأضافت الصحيفة أنه بمرور الأيام اعتدلت آراء منصور كثيرا حتى أصبح أحد رموز السلام فى مصر وهو ما عرضه لتهديدات من جانب بعض العناصر الأصولية المتشددة فى مصر إلا أنه تمسك بموقفه الداعم للسلام المصرى الإسرائيلى، مشيرة إلى أن المثير فى الامر هو تحول أنيس منصور من شخص كاره لليهود إلى شخص مطبع ورمز من رموز السلام فى مصر بل أنه أيضا كان لديه أصدقاء كثيرون فى إسرائيل كما أنه قد قال فى أكثر من مناسبة إن التطور التكنولوجى والحداثة الغربية التى تميز إسرائيل قد ساعدت مصر فى بعض الاوقات.

إلى أين تذهب الأتوبيسات الفاخرة بالمشردين في مصر؟



هي الحِدّاية بتحدف كتاكيت!


“هي الحِدّاية بتحدف كتاكيت!”
مَثَلٌ مصري قاله أجدادنا يؤكد أن الحدّاية البخيلة بالفعل لا تلقي لنا الكتاكيت، وهو ما يؤكد أن وراء ظهور أتوبيسات فاخرة في شوارع القاهرة، بالإضافة إلى سيارات شرطة تقوم بنقل المشردين من أسفل الكباري والأرصفة إلى أماكن مجهولة، ضمن حملة أطلقت عليها عصابة الانقلاب “حياة كريمة”، سرًّا وسبوبةً للعسكر.
ولأن الذي يحكم مصر الآن هو السفيه السيسي، الجنرال أو حداية العسكر الذي اعتاد على الكوارث ولحس كل وعوده للمصريين، فوجب التساؤل عن مصير من يتم جمعهم ونقلهم، خصوصًا أنه يوجد بينهم أطفال ومشردون من كبار السن، وهناك جهات في الداخل والخارج تتلهف على قطع غيار بشرية.
من جهتها تقول عصابة الانقلاب على لسان محمد العقبى، المستشار الإعلامي لوزيرة التضامن: إن الوزيرة غادة والي وجّهت بالعمل المشترك بين فرق “أطفال بلا مأوى”، و”التدخل السريع”، من أجل إنقاذ المشردين، مضيفًا أن فريق “أطفال بلا مأوى” لديه 17 وحدة متفرقة فى 10 محافظات ولديه خبرة فى التعامل مع أطفال الشوارع، بينما فرق “التدخل السريع” منتشرة فى 27 محافظة، ولديها خبرة فى التعامل مع كبار السن والمشردين.
وتابع أن الوزارة نجحت في إنقاذ 1234 مشردًا تم إلحاقهم بدور الرعاية وتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية والثقافية، ولفت إلى أن أتوبيسات التدخل السريع يتوفر بها البطاطين والوجبات الساخنة خلاف الأعمال الترفيهية؛ من أجل تقديم المساعدات الفورية للمشردين وإنقاذهم من قسوة الطقس، مشددا على أن الوزارة تبذل كل طاقتها في إنقاذ الأطفال والمسنين المشردين.


تنظيف الصورة!
ولا يختلف أحد على أن من يقوم بهذا الفعل حتى ولو كان إبليس نفسه يستحق التشجيع والشكر، إلا أن الحكاية لا تنتهي بمجرد صور ولقطات إنسانية لأتوبيسات فاخرة تجوب الشوارع وتأخذ هؤلاء المشردين، ولأن الطرف الأكثر استفادة من تجارة نقل الأعضاء حاليا وإن تم تقنينها، بمعنى وصول السيسي لحصة من الأموال المدفوعة، هم رعايا الرز الخليجي من الدول العربية، حسب بيانات داخلية الانقلاب المتكررة عن ضبط شبكة لتجارة الأعضاء، من رعايا الدول العربية أو من بلد خليجي معين!.
وبرأي خبراء، فإن ذلك سيمنح هؤلاء الرعايا الفرصة لنقل الأعضاء المشتراة بثمن بخس أو المسروقة نتيجة عمليات سرقة الأعضاء أو التي تم التحصل عليها بجريمة قتل، كشقة الهرم التي أعلن عنها لخطف الأطفال وسرقة أعضائهم الداخلية إلى بلدانهم بسهولة أو لأي بلد أوروبي.
وفي الوقت الذي تشدد فيه العقوبات على السياسيين في مصر ورافضي ومعارضي الانقلاب، فإن سرقة الأعضاء البشرية تساوي بين الطبيب والسمسار، وتندرج فى القانون تحت بند نزع عضو بشرى وإحداث العاهة المستديمة، بشرط انتفاء علم المجنى عليه، وأن عقوبة إحداث عاهة مستديمة أو إخفاء جثة تصل إلى السجن المشدد من 3 إلى 10 سنوات مع الشغل، ويصل إلى المؤبد حال وفاة المجنى عليه، أو يضاعف الحد الأقصى للعقوبات المقررة بالمادة 240 إذا ارتكبت الجريمة تنفيذا لغرض إرهابي!.
وأعاد ضبط شبكة دولية للاتجار في الأعضاء البشرية في مصر، تضم أساتذة جامعيين وأطباء وممرضين وسماسرة، تسليط الضوء على هذه التجارة التي تمارس في الخفاء بشكل متنام، في بلد يعيش فيه 27.8% من السكان تحت خط الفقر، وفق إحصاءات رسمية.
وتوقع أطباء ومختصون أن تستمر تجارة الأعضاء البشرية، في ظل غياب تطبيق القانون، واستشراء الفساد في المستشفيات، وزيادة نسبة الفقر بين المصريين، وعدم وجود قانون ينظم نقل أعضاء الموتى، كما انتشرت ظاهرة خطف الأطفال وقتلهم؛ لسرقة أعضائهم البشرية، الأمر الذي أصاب الأسر المصرية بالذعر في الشهور الأخيرة.
ويتداول نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي بشكل يومي منشورات تتحدث عن خطف الأطفال وبيعهم لعصابات الاتجار في الأعضاء البشرية، حيث يتم نزع أعضائهم وبيعها للمرضى في الداخل والخارج، مقابل مبالغ كبيرة، فيما بات يشبه الظاهرة التي تهدد أمن المجتمع، بحسب مراقبين.


الاتجار بالأعضاء
وأكد تقرير صادر عن المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة، أن ظاهرة اختطاف الأطفال تزايدت في الشهور الأخيرة، حيث تم رصد 43 حالة اختطاف أطفال في أربعة أشهر، خاصة من المناطق الريفية الفقيرة، كما رصد المجلس القومي للأمومة والطفولة 125 حالة خطف واتجار بالأطفال.
وفي بعض الحالات، يتم تزويج الفتيات الفقيرات صغيرات السن من أثرياء عرب، وبعد إتمام الزواج والسفر إلى الخليج، يتم إجبار الفتاة على التبرع بكليتها، وعقب ذلك يتم تطليقها وإعادتها إلى مصر، وفي حالات أخرى، يتم انتزاع الأعضاء من الفقراء بالإكراه أو عن طريق الخطف والقتل، خاصة للضحايا الذين لا يجدون من يسأل عنهم، مثل المتسولين والباعة الجائلين وأطفال الشوارع.
وتجوب سيارات عصابة الانقلاب متمثلة في وزارة الداخلية، وكذلك الأتوبيسات التابعة لوزارة التضامن شوارع مصر، وذلك من أجل جمع المشردين والعجائز والأطفال بلا مأوى، وذلك تنفيذًا لمزاعم السفيه السيسي، لجعل عام 2019، هو عام المواطنين الأكثر احتياجًا.
يقول الناشط السياسي خالد مهران: “أنا مش مرتاح للموضوع ده.. الناس اللي بياخدوهم من الشوارع بيروحوا فين؟ مين الجهة والمكان اللي بيتم نقلهم إليه؟ الناس دي ملهاش أهل ولا حد يسأل عليهم، شامم ريحة تجارة أعضاء”. 
ويرد الناشط سامح عاشور بالقول: “الناس دي عملة إحراج للحكومة فلا بد من إخفائهم من الشوارع والصورة تطلع حلوة فى الخارج والداخل.. وبعدين الحمد لله السجون أكتر من المساجد، والأكل هناك فخم والتدفئه حلوة.. هم مش نور عنينا مش كده ولا إيه؟”.
وكشفت التقارير الرسمية الصادرة من قبل مؤسسات الانقلاب، عن استمرار حالة الفقر المدقع الذي يعيشه الشعب تحت وطأة حكم العسكر، تسببت فى انحدار مستوى المعيشة بالأسر ووصول غالبية الشعب إلى منحنى خطر، وترتب على ذلك ارتفاع حالات هروب الأطفال من المنزل، وزيادة أعداد المسنين المشردين. الأرقام تؤكد أن مُعدلات الفقر وصلت إلى 27.8٪ من إجمالي عدد السُكان، ما يعني أن 25 مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر، حيث يصل دخل الفرد فى هذه الشريحة إلى أقل من 482 جنيهًا شهريًا.



الاثنين، 21 يناير 2019

العسكر والانتقام من الثورة المصرية.. أحداث وثّقت معالم الجريمة الكاملة



وانتهى الوضع بالانقلاب العسكري
 على الرئيس محمد مرسي في 30 يونيو 2013


كان العسكر ينافسون المخلوع حسني مبارك في تلك الهالة المقدسة، فلم يكن يُسمح لأي أحد أن يمس الجيش ولو بكلمة واحدة، وكان الجيش دائمًا وأبدًا منعزلًا عن الشعب والشارع ومحصنًا بالمتاريس ومدججًا بدواعي “الأمن القومي”، حتى جاءت ثورة 25 يناير التي توجت بتنحي حسني مبارك، ليدخل بعدها الشعب المصري في مواجهات مباشرة مع الجيش وقياداته، بعدما تأكد للشعب المصري مخطط الجيش للاستيلاء على السلطة، ومن هذه اللحظة بدأت العلاقة بين الشعب والجيش تأخذ منحى مختلفًا، تبين فيها للشعب المصري حقيقة هذه الوجوه التي كانت تظهر عكس ما تخفي في قلوبها ناحية الشعب والدولة.
أحدثت ثورة الـ25 من يناير انقلابًا اجتماعيًّا وسياسيًّا في حياة المصريين، ووصل المجلس الأعلى للقوات المسلحة في تواصله مع الشباب، في بداية نجاح الثورة من أجل التخطيط للانقلاب عليها، إلى حد إنشاء صفحة إلكترونية على موقع “فيسبوك”، كانت هي المصدر الرئيسي لأهم القرارات التي صدرت مؤخرا، عندما انفردت بنشر خبر قبول استقالة حكومة الفريق أحمد شفيق، دون الإعلان عن النبأ بالطرق التقليدية، سواء عن طريق بيان تلفزيوني، أو مؤتمر صحفي كما جرت العادة.


قــواعــــد اللعبـــة
عرف العسكر قواعد اللعبة جيدًا، وخطَّطَ لضرب الثورة وشبابها بشباب نسب نفسه للثورة، وبدأت قيادات المجلس العسكري تخرج فرادى وجماعات على شاشات الفضائيات لتتسول رضا الشعب، وإقناعهم بأنهم من الشعب وليس ضده، وبدءوا في الترويج لخطورة الانقلاب على قيادات المجلس العسكري، على اعتبار أن ذلك تدمير للجيش الوطني والمؤسسة العسكرية الوحيدة الباقية التي يجب الحفاظ عليها.
وبالرغم من أن موقعة الجمل هي المحك الحقيقي الذي كشف نوايا العسكر الخبيثة، ويتمثل ذلك في “موقعة الجمل” الشهيرة، التي جرت وقائعها يوم الأربعاء الدامي الموافق 2 من فبراير 2011، وموقف العسكر آنذاك بـ”حياد سلبي” لم يحسم المعركة بين متظاهرين سلميين ومهاجمين مسلحين على صهوات الجياد والجمال.


أحداث الفوضى
وبعد تنحي مبارك بدأ العسكر في التلاعب بوعودهم للشعب المصري في تسليم السلطة للمدنيين، وذلك بافتعال بعض الأزمات والفوضى التي ضربت البلاد بعد ثورة يناير، وظل المصريون يبحثون عن الطرف الثالث حتى تبين لهم أن الطرف الثالث هو العسكر، الذي أدخل البلاد في فوضى عارمة ليقنع المصريين بأن البلاد في حالة انهيار ويجب الحفاظ على المؤسسة العسكرية حتى لا تضيع البلاد ويضيع العباد.
وتبين بعد ذلك- خلال الحديث عن الطرف الثالث إبان الثورة المصرية، وإلقاء التهم على اللهو الخفي حينا، والطرف الثالث حينا، والفلول حينا، والبلطجية حينا- أن السيسي كان هو قائد الطرف الثالث الذي كان يقتل المتظاهرين من شرفات المنازل وفوق أسطح البنايات، وهو الذي حرق السجون وأخرج المساجين في جمعة الغضب، وهو الذي افتعل أحداث السفارة ومجلس الوزراء وماسبيرو ومحمد محمود، كما اعترف السيسي نفسه بكشوف العذرية التي كان يجريها للفتيات المختطفات من ميدان التحرير.
جرائم السيسي
كان السيسي يمثل المؤسسة العسكرية كمدير للمخابرات الحربية، خلال ثورة يناير، ومع أول يوم في ثورة يناير، واعتصام المتظاهرين في ميدان التحرير طوال 18 يوما من يوم 28 يناير وحتى يوم 18 فبراير، نقل السيسي مكتبه كمدير للمخابرات الحربية من مبنى وزارة الدفاع إلى ميدان التحرير مباشرة ووسط المتظاهرين.
وكشفت الأحداث عن الجرائم التي أكدت أن السيسي كان الطرف الأمني الوحيد الموجود منذ اليوم الأول للثورة، وكان يعيش في الميدان مع المتظاهرين، ويتفاوض مع بعض رموز الثورة، وهو ما أكده الدكتور محمد البتاجي في حوار سابق مع الإعلامية منى الشاذلي، حينما أكد لها أنه تم استدعاء بعض رموز الثورة من قبل مدير المخابرات ويدعى اللواء عبد الفتاح، وطلب منهم أن يحضروا له البلتاجي، وجاء ليفاجأ بأنه يطلب منه إخلاء ميدان التحرير.
محمد محمود
كانت أحداث محمد محمود التي وقعت في 19 نوفمبر 2011، خير شاهد على الطرف الثالث ورغبة المجلس العسكري في الاستمرار بالسلطة، حيث شهدت القاهرة وقبلها ميدان التحرير وأحد تفريعاته شارع محمد محمود، المؤدي لوزارة الداخلية، مظاهرات حاشدة ضد استمرار حكم المجلس العسكري الذي كان يسيطر على مقاليد الأمور في مصر ومطالبته بتسريع إجراءات تسليم السلطة لمدنيين.
واستمرت المظاهرات في الشارع لستة أيام، حيث واجهتها الشرطة وقوات من الجيش باستخدام الهراوات والصواعق الكهربائية والرصاص المطاطي والخرطوش والرصاص الحي، بينما استخدم المتظاهرون الحجارة والألعاب النارية وقنابل المولوتوف.
وأدت أحداث محمد محمود بالنهاية لمقتل 42 شخصا إلى جانب جرح المئات، وكان الكثير من الإصابات بالعيون والوجه والصدر، وهو الأمر الذي أثار انتقادات حقوقية محلية ودولية.
وفي الذكرى السنوية الأولى لأحداث محمد محمود، تجمع عدد كبير من المتظاهرين والنشطاء وأهالي القتلى والمصابين، بمحاولة لإحياء ذكرى هذه الأحداث، والمطالبة بالقصاص للشهداء، غير أن الأمر الذي بدأ سلميا تحول شيئا فشيئا لمواجهات أخرى دامية سقط فيها أحد عناصر حركة 6 أبريل ويدعى محمد جابر (جيكا)، الأمر الذي أعاد الشارع للواجهة السياسية.
لتنتهي القصة في النهاية في يناير 2012، حيث قضت محكمة جنايات القاهرة بوقف سير إجراءات الدعوى الجنائية ضد 379 شخصا متهما بالتورط في المصادمات التي وقعت بين متظاهرين وقوات الأمن باحتجاجات في شارع محمد محمود.
“مجلس الوزراء”
ومع أحداث مجلس الوزراء كشف الطرف الثالث نفسه صراحة، حينما هجم عساكر الجيش على المتظاهرين وقموا بسحل المتظاهرين وتعرية الفتيات في قلب ميدان التحرير ديسمبر 2011.
فبعد محاولة فض اعتصام ميدان التحرير بالقوة يوم 19 نوفمبر 2011، والتي أدت إلى وفاة أكثر من 40 متظاهرا وتسببت في اندلاع مظاهرات عارمة في ميدان التحرير وميادين أخرى في مصر على مدي أسبوع، استمر اعتصام بعض المتظاهرين أولاً في ميدان التحرير ثم انتقل إلى أمام مقر مجلس الوزراء المصري احتجاجًا على تعيين الدكتور كمال الجنزوري رئيسًا لمجلس الوزراء، وتم اختطاف أحد المعتصمين من قبل القوات العسكرية المتمركزة داخل مجلس الوزراء لتأمينه والاعتداء عليه بالضرب المبرح ثم إطلاق سراحه، مما أدى إلى تأجيج الغضب وبدء المناوشات والاشتباكات بين قوات الأمن والمعتصمين.
استمرت الاشتباكات بين كر وفر طوال يوم الجمعة 16 ديسمبر 2011، حيث استخدمت قوات الجيش خراطيم المياه والهراوات وتبادلت إلقاء الطوب والحجارة علي المتظاهرين، مما أدى إلى إصابة عشرات المتظاهرين.
وأظهرت الكثير من لقطات الفيديو قوات الجيش وهي تقوم بإلقاء الطوب والحجارة على المتظاهرين وترشهم بخراطيم المياه.
كانت حصيلة المصابين المعلنة حتى مساء الجمعة 16 ديسمبر، 255 مصابًا وثلاثة قتلى، كما قتل في مكان الأحداث الشيخ عماد عفت، أمين الفتوى بدار الإفتاء.
واستمرت الاشتباكات والكر والفر بين قوات الشرطة العسكرية والمتظاهرين، وقامت قوات الشرطة العسكرية بالنزول إلى ميدان التحرير ثم الانسحاب منه، وانتشرت على المواقع الإخبارية صور فتاة يتم سحلها وتعريتها من ملابسها من قبل قوات الجيش. كما تعرض مبني المجمع العلمي المصري إلى إشعال النيران فيه، وتم الاختلاف على من قام بهذا الفعل، حيث اتهم الدكتور كمال الجنزوري المتظاهرين بإحراق المبنى، في حين اتهم المتظاهرون بلطجية مندسين بإشعال النيران فيه بحماية قوات الجيش.
تسليم السلطة والانقلاب العسكري
بعد تسليم العسكر للسلطة من خلال أول انتخابات ديمقراطية في مصر، لم يلبث الرئيس محمد مرسي الذي تسلم مهعام منصبه في يوم 30 يونيو 2012، يوما واحد، دون أن يشعل العسكر النار من تحت أقدامه.
وكان للعسكر السبق في إنشاء كتائب “بلاك بلوك” التي قامت بنشر الفوضى خلال حكم الرئيس مرسي، كما عملت على تعطيل مرافق الدولة، وإشعالها، والتحريض على التمرد في طول البلاد وعرضها، والدعوة للتظاهر يوميا بأسباب مختلفة، حتى أججت الوضع بتحريض من المجلس العسكري.
وانتهى الوضع بالانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي في 30 يونيو 2013، وتسليم عبد الفتاح السيسي السلطة من خلال انقلاب دموي، قام فيه بأكبر مجزرة شهدتها مصر على مر تاريخها، دفع ثمنها الآلاف من الأبرياء الذي استشهدوا في ميدان رابعة العدوية، ثم اعتقال عشرات الآلاف وتعذيبهم في السجون والمعتقلات، ليوسع السيسي بعدها دائرة انتقامه من كافة طوائف الشعب المصري.






تفاصيل “صفقة قرن ترامب”.. دولة فلسطينية بالضفة والأقصى للاحتلال وغزة خارج السياق


أي خطة سلام لا تتضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة 
وعاصمتها كامل القدس الشرقية على حدود عام 1967
... سيكون مصيرها الفشل ...



تفاصيل “صفقة قرن ترامب”.. دولة فلسطينية بالضفة والأقصى للاحتلال وغزة خارج السياق فيما يبدو أنه “جس نبض” للأطراف الفلسطينية والعربية، كشفت قناة صهيونية عن تفاصيل جديدة من ملامح الخطة الامريكية لـصفقة القرن التي تسعى أمريكا لتمريرها خلال الفترة المقبلة، حيث ذكرت القناة الصهيونية العاشرة، مساء أمس الأربعاء، أن الخطة الأمريكية، تقضي بإقامة دولة فلسطينية على 90 % من أراضي الضفة الغربية، وعاصمتها جزء من مدينة القدس الشرقية، في حين تخضع البلدة القديمة في المدينة، حيث يقع المسجد الأقصى المبارك وسائر الأماكن المقدسة، تحت سيطرة الاحتلال. 
  دولة في الضفة
وأفادت القناة أن “صفقة القرن” تتضمن إقامة دولة فلسطينية في منطقة تزيد مساحتها عن ضعف مساحة المناطق “أ” و”ب”، الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، بمساحة قد تشكل من 90 – 85% من مجمل مساحة الضفة الغربية المحتلة.
ومن المقرر أن تشمل الصفقة تبادلًا للأراضي بين إسرائيل والفلسطينيين، وذلك فيما يتعلق بسائر المساحة المتبقية من الضفة الغربية المحتلة والتي ستضمها إسرائيل، وفقًا لتفاصيل الخطة، وبحسب القناة فإنه “ليس من الواضح مدى تبادل الأراضي وعن أية مناطق يدور الحديث”.


وأشارت إلى أن المستوطنات ستقسم إلى 3 فئات: الأولى، الكبيرة، ستضم إلى الاحتلال الإسرائيلي، والتي تتمثل بـ”غوش عتصيون” و”معاليه أدوميم” و”أريئيل”؛ فيما تتبقى مستوطنتا “إيتمار” و”يتسهار” (الفئة الثانية) قائمتين، على ألا يتم زيادة مساحتهما، أما الفئة الثالثة من المستوطنات، والتي تشمل البؤر الاستيطانية غير القانونية وفقًا للقانون الإسرائيلي، سيتم إخلاؤها، مع الدفع بفكرة تبادل الأراضي.
الأقصى لـ”الكيان”!
وحول السيادة على مدينة القدس المحتلة، تقضي خطة ترامب تقسيمها لعاصمة إسرائيلية في الأجزاء الغربية للمدينة بما يشمل أجزاء من المناطق الشرقية. وأن تكون البلدة القديمة التي تحيط بها الأسوار في القدس الشرقية، وتحتوي على المقدسات الدينية، وكذلك المناطق المجاورة مثل سلوان وجبل الزيتون، تحت السيادة الإسرائيلية لكن بإدارة مشتركة من الفلسطينيين والأردن.
وأضافت القناة أن “معظم الأحياء العربية” في القدس الشرقية ستكون تحت السيادة الفلسطينية وستكون بها عاصمة الدولة الفلسطينية في المستقبل، كاشفة عن أن ترامب يرغب في استكمال الإجراءات الإسرائيلية المقترحة بتبادل للأراضي مع الفلسطينيين.
وبحسب القناة، فإن تقديرات الرئيس الأمريكي تشير إلى أن السلطة الفلسطينية سترفض الخطة المقترحة، ولكن الرئيس ترامب يأمل أن يعلن الطرف الإسرائيلي عن قبولها.
وأشارت إلى أن ترامب أراد نشر خطة السلام خلال الأسابيع الماضية، إلا أن مقربيه نصحوه بالانتظار حتى الانتهاء من انتخابات الكنيست المقررة في التاسع من شهر إبريل المقبل.
ونقلت القناة الصهيونية على موقعها الإلكتروني على لسان المصدر الأمريكي أن هذه التفاصيل ربما تكون الأقرب لخطة السلام الأمريكية في الشرق الأوسط، وليست الخطة النهائية.


نقاط تجاهلتها الصفقة
لم يشر التقرير إلى مصير اللاجئين الفلسطينيين الذي يعد أحد نقاط الخلاف الكبرى في الصراع الممتد منذ عشرات السنين، كما لم يتناول وضع قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة المقاومة الإسلامية “حماس” التي تعارض السلام مع الاحتلال الصهيوني.
وتقول إسرائيل إن القدس “عاصمتها الأبدية الموحدة” وهو ما لا يحظى باعتراف دولي، بينما يريد الفلسطينيون أن تكون القدس الشرقية، بما في ذلك مجمع المسجد الأقصى في المدينة القديمة، عاصمة لدولتهم المستقبلية.
لم يرد مسؤولون إسرائيليون أو فلسطينيون حتى الآن على تقرير المحطة الإسرائيلية.
تعليقات على تقرير القناة الإسرائيلية
جيسون جرينبلات مبعوث ترمب للشرق الأوسط: نشر أخبار كاذبة أو مشوهة أو منحازة في وسائل الإعلام غير مسؤول ويضر بالعملية.
داني دانون سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة: يجب ألا يتم الكشف عن خطة ترامب قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في التاسع من إبريل.
نبيل أبو ردينة الناطق باسم السلطة الفلسطينية: أي خطة سلام لا تتضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها كامل القدس الشرقية على حدود عام 1967 سيكون مصيرها الفشل.



الكوفية.. من الثورة الفلسطينية إلى "هز الكتف بحنيّة"


"الكوفية - أيقونة الثورة الفلسطينية"



الكوفية.. من الثورة الفلسطينية إلى "هز الكتف بحنيّة"



 "الأرض كيف الآن ترسم نفسها؟
كوفية
لتكون للمعنى إشارة
كوفية
والشمس تلبسها
إذا انطلقت مظاهرة
تغني في الشوارع
ضد غارة
كوفية
هي كلمة السر التي
نبتت
بجلد الصمت فاشتعلت شرارة
الآن تعرفها الملابس جيدا
في كل مدرسة
ومقهى
أو سفارة"
(ياسر أنور)

كوفية، ومظاهرة، وفعل ثوري ترسم الأبيات السابقة ملامحه بخيوط العلاقة التي تجمع بين الكوفية كرمز، والمظاهرة كفعل، وهو ما يمكن أن يعبر عن مكانة الرموز لدى البشر. تستطيع مثلا رؤية أعلام الدول كرابطة تجمع المواطنين حول راية بلادهم باعتباره الرمز الجامع لهم، ويمكنك أن تنتقل من الأعلام إلى شعارات الأندية الرياضية، ثم إلى الرموز الثورية كجيفارا وغيره لتجد النتيجة نفسها.

الأمر ذاته يمكن أن نقيسه على الكوفية، والتي باتت ترتبط بحكم استخداماتها الواقعية بالشخصية الفلسطينية، وترتبط بصورة أوسع برمزيتها النضالية التي تظهر في عديد المناسبات الاحتجاجية التي لا تنحصر في السياق الفلسطيني فقط، بل تمتد لتظهر في ثورات الربيع العربي بمختلف مناطقها، كما يمكن رؤيتها باعتبارها أيقونة يرتديها عدد من أفراد الأحزاب "الثورية".

ولأن الرجوع للتاريخ ضروري لفهم التحولات التي لحقت بالكوفية، فإننا بحاجة إلى قراءة الواقع السياسي والاجتماعي -حينها- الذي أفرز هذا الرمز، بدءا من ارتباطاتها النضالية، ومن ثم الهوياتية، وصولا لاستخدامها باعتبارها زِيّا ينطبق عليه وصف "الموضة"، فواقعنا امتداد لتاريخ قريب شكّل الكثير من سلوكياتنا اليومية، والتي نتعامل معها باعتبارها بديهية. تاريخ يمكن النظر إلى تضافر العلاقة فيه بين الثقافي والسياسي من زاوية فرانسيس فوكوياما حين طرح فكرته بقوله[: "إن ما يبدأ فعلا سياسيا ينتهي في كثير من الحالات متجسدا في رموز ثقافية"، لتتحول ممارساتنا "البديهية" في كصير من الأحيان باعتبارها تثبيتا وتكريسا لواقع نلعنه يوميا، لكننا نعيد إنتاجه عبر ممارساتنا. ولتطرح الكوفية هنا أمرا فريدا في المجتمعات الإنسانية، حول قدرة الرموز على توحيد الشعور الجماعي نحو وجهة محددة، وذلك بما يحمله الرمز من قدرة على استثارة الانفعالات وتوجيهها في مسارات قادرة على ضبط إيقاع الجموع المشتتة.
في البدء.. كانت الثورة
حينما كان أبو صالح في مسلسل "التغريبة الفلسطينية" ينتظر أخبارا حول صمود فوزي -أحد الثوار- أمام تعذيب الإنجليز بعد اعتقاله إثر عملية قام بها الثوار في أحداث الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939، جاءت الأخبار مبشّرة بعدم اعتراف فوزي أمام حملات التعذيب، لكنها أخبار صاحبتها مشكلة كبرى، حيث اعتقلت القوات الأمنية البريطانية رجلا مدنيا لمجرد ارتدائه الحطة والعقال لاشتباههم به باعتباره أحد الثوار، الذين تميزوا حينها بارتدائهم الحطة السوداء والبيضاء.



(من الدقيقة 39 إلى 41) 

ومن هذا المشهد التاريخي تحديدا الذي صوّره المسلسل، بدأت الحكاية، فقصة الكوفية وارتباطها بفلسطين تطورت مع الثورة الفلسطينية الكبرى، فحينما أصدرت بريطانيا توصية بتقسيم فلسطين عام 1936، وتبنت حكومة الانتداب البريطاني هذه التوصية معلنة عزمها على إقامة دولة يهودية، اندلعت الثورة الفلسطينية، ثورة كانت القرى معقلها الرئيس بسبب تمركز المقاومة المسلّحة فيها. حينها، كان المقاومون في القرى ومن الفلاحين كعادتهم يستخدمون الحطّة لإخفاء ملامحهم، ليتجه الاستعمار البريطاني نحو إستراتيجية عسكرية تستهدف قنص من يلبسون هذه الحطّة، والتي عُدَّت حينها لباسا يرتديه كل قادة الثورة الفلسطينية.

وبحسب ما ورد في الفيلم الوثائقي "الكوفية - أيقونة الثورة الفلسطينية"، الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية ، ففي تلك الفترة الزمنية ومع اشتعال الأحداث، أصدرت القيادة العسكرية للثورة قرارا بأن يلبس الشباب الكوفية والعقال، كتعبير عن التضامن مع الثوار، حتى لا يتمكن البريطانيون من تمييز الفدائيين عن غيرهم، وبهدف تحييد إستراتيجية العدو تلك. تضامن انعكس بصورة واسعة على مختلف شرائح المجتمع، ليتجسد ذلك وبصورة طريفة عبر مناداة الباعة للمارّين بترك الطربوش الذي كان منتشرا حينها وارتداء الحطّة (الكوفية) والعقال بقولهم: "الحطة والعقال ب 5 قروش.. والنذل لابس طربوش". لتشكل الكوفية وفق هذا السياق باعتبارها حالة شعبية تضامنية مع الثوار، وبمقاومة المستعمر تحديدا، والتي شملت مختلف القطاعات الشعبية، والتي عبّر عنها الحكيم في مسلسل "التغريبة الفلسطينية" حينما أخبره والده بأن ارتداء الحطة يخفي هيبته كحكيم، ليجيب: "يا سِيدي، يحسبوني ثائر وبلاش إني حكيم"، ولتعبأ الكوفية وفق هذا التضامن الواسع بحمولات نضالية كان لها ما بعدها.


وبعكس ما يتصور الكثيرون، فالحطّة السوداء والبيضاء، أو كما تُعرف بالكوفية، لم تكن لباسا فلسطينيا أو ممثلا لهوية فلسطينية تاريخية، إلا أنها كانت لباسا مشهورا بين الفلاحين وأهل الريف والبادية عموما، من فلسطين، للحجاز، والعراق، وكما تذكر بعض المصادر، فقد سُمّيت بالكوفية نسبة إلى مدينة الكوفة بالعراق .
وهذا الامتداد المنسوب للعراق أورده الشاعر ياسر أنور بقصيدته حينما خاطب الكوفية قائلا:
"بالأمس كانت في العراق
سألتها
كم ساعةً
تقضين في تلك الزيارة؟
لم تلتفت
صوت البنادق كان أقوى
واختفت
في خندق أو جوف دارة
كوفيةٌ
صارت دليلا
أو بديلا للكلام
علامة تعني انتصاره
فتوحدت كل البلاد وحولها
وقفت تبايعها لتمنحها الإمارة"
من الثورة.. لتشكيل الهوية
لم تكن نكبة عام 1948 واحتلال مناطق شاسعة من الأرض الفلسطينية، وتهجير طيف واسع من الشعب الفلسطيني عن مدنه وقراه بحسب شفيق الغبرا، سوى حدث مفصلي هدد الفلسطينيين بتدمير النسيج الكامل لحياتهم الاجتماعية ، لتُشكِّل هذه الحادثة محطة مركزية في وجدان الشعب الفلسطيني، ومع حالة التيه، والشتات، عادت الكوفية للظهور، في سلوك يشبه التنقيب الذي يبحث الفلسطيني عبره عما يمكن أن يتشبث به، لتُستدعى الكوفية في تلك اللحظة وما تلاها باعتبارها مرجعية نضالية يمكن أن تعيد شيئا من كيانية الفلسطيني المقاوم وهويته التي تمزقت.
"سجل أنا عربي
ولون الشعر فحمي
ولون العين بنيّ
وميزاتي على رأسي
عقالٌ فوق كوفية"
(محمود درويش)


حتى ذلك الحين، لم تكن الكوفية سوى رمز ثوري لا يعبر عن هوية فلسطينية بالقدر الذي يعبر فيه عن هوية ثورية، وهو ما وعى له الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات حينها بارتدائه الكوفية ذات البُعد النضالي، وهو الأمر الذي يطرح مسألةَ -ليست مثار نقاشنا هنا- دور الفصائل الفلسطينية في إعادة تعريف الرموز وتعبئتها في محاولة جمع الشتات الفلسطيني تجاه مُتخيّل ما. إلا أن مرحلة انتقال الكوفية كرمز هوياتي للفلسطينيين بدأت قصته من الأردن، فمع تزايد وجود المقاومة المسلحة الفلسطينية في الأراضي الأردنية نهاية ستينيات القرن الماضي، تنامت الخلافات بين الحكومة الأردنية التي نظرت للمقاومة كسُلطة ثانية تتمدد داخل الحدود الأردنية مع تزايد شعبيتها الداخلية ومع ما حمله وجود المقاومة من توترات على الحدود الأردنية الإسرائيلية.

وبعيدا عن سرد العوامل التي تضافرت لتنتج ما يُعرف بمجزرة أيلول الأسود ، فقد أدت تصفية النظام الأردني لعناصر المقاومة الفلسطينية، والذي كانت ترتدي قواته الأمنية في حينها الحطة الحمراء والبيضاء، إلى شرخ كبير بين الأردنيين والفلسطينيين، لينعكس ذلك في حالة تشبه تجميد الزمن، عبر التقاط صورة لما يرتديه قادة البلدين، أو الممثلون العسكريون لها، باعتبار تلك اللحظة الزمنية تُمثّل تعبيرا عن هوية ترسم خطا فاصلا مع الآخر، وليترسخ وفق هذه الحدث السياسي رموز ثقافية لم تعد معبرة عن بُعد نضالي أو إرث محدد في صورته التاريخية، بالقدر الذي باتت فيه معبرة عن بُعد وطني، والتي ما زالت آثارها متفاعلة على صعيد الممارسة في ثنائية الفلسطيني/الأردني.
حادثة لم تُشكّل الصيغة النهائية التي أعادت تعريف الكوفية، فمع اندلاع الانتفاضة الأولى، أو ما تُعرف بانتفاضة الحجارة عام 1987، ومع تطور وسائل الإعلام، والتغطية المكثفة حينها، بدأت الكوفية بالظهور والانتشار على نطاق واسع، وترسخت باعتبارها رمزا نضاليا فلسطينيا، ولم يعد بالإمكان -حينها- ذكر النضال الفلسطيني دون الكوفية، ومع تكرار عرض هذا الرمز ، بدأ تزايد ارتباط الكوفية بالهوية الفلسطينية. أحداث الانتفاضة ذاتها تميزت بمشاركة الجميع دون زي محدد يعبر عن تعددية حزبية أو فصائلية في السياق المحلي الفلسطيني، إلا أن عددا من المنظمات قررت أن تتخذ من الحطّة الحمراء/البيضاء علامة مميزة لها، وكان التيار اليساري محطة البدء، ليتخذ من اللون الأحمر معبرا عن هويته كمقاربة لليسار العالمي، وكتعبير عن المد الشيوعي.


كما أن كثيرا من الفلسطينيين بما يحملونه من قضية ما زالت متفاعلة حتى يومنا، وبما تحمله هذه القضية من تاريخ، يلجؤون للكوفية في كثير من استخداماتها باعتبارها الرمز الذي يعبر عن استمرارية نضالهم، حتى وإن لم يكن هناك فعل نضالي ثوري حقيقي يقومون به، لكن ما يحدث هو أن قوة هذا الرمز، أي الكوفية، يمكن أن تُشبع بمجرد ارتدائها حاجةَ الأفراد في تعبئة خانة الفعل النضالي لديهم، لتصبح الكوفية بذلك وكما يقول الفيلسوف الإيطالي ميفازولي[8] عن الرموز باعتبارها مُشكِّلة لـ "وعي جماعي" ينعكس على ذاته ليُعيد تشكيل الواقع الاجتماعي، أي إنها تُشكّل وعيا جماعيا يُعيد تعريف الجماعة لنفسها ويزيد من المشترك بينها، وبذلك، تعمل هذه الرموز بحسب ألبيرتو ميلوشي[9] كتعبير عن هوية تنعكس في كثير من تفاصيل الحياة اليومية.
كوفية استهلاكية.. أم نضالية؟
وفي الحين الذي تُرفع فيه الكوفية في الرقصات الاحتفالية ويتم التلويح بها مع "هز الكتف بحنيّة"، فإنها تُمثّل في حالتها تلك مزيجا فريدا، لا من حيث الحدث نفسه، ولكن للمشاعر التي يمكن أن تُعبّأ في هذا المشهد الذي يتضافر فيه استدعاء فلسطين كاسم معبّر عن قضية نضالية، والكوفية كرمز هوياتي/نضالي، مع الدبكة كرقصة شعبية، مُجتمعين في إطار احتفالي/استهلاكي يُساق فيه هذا المزيج لا باعتباره ترفيهيا فقط، لكن باعتباره حَدَثا يُعيد تعريف النضال نفسه، أي أن يصبح ذلك المشهد نضاليا بذاته حتى وإن كان ترفيهيا، وعليه يمكن استدعاؤه كنموذج قابل لإعادة التطبيق، وإعادة استدعاء النضال الفلسطيني من خلاله عبر مجموعة من العروض الفلكلورية الرمزية التي تشبع احتياج القيام بفعل نضالي، دونما ثمن نضالي، ولتفقد الكوفية بحكم تسليعها على مختلف الأصعدة جزءا رئيسيا من أيقونيتها ورمزيتها الثورية، باتجاه مظهرها المساير للموضة.



وبذلك، فقد بلغت تحويرات الكوفية أَوجَها في فضاء السوق الذي نعيش فيه، ومع تغول رأس المال في شتى تفاصيل الحياة؛ أدت سيطرة السوق لانعكاسات طالت تفاعلات الفرد في مساحاته اليومية، ليفقد الإنسان قدرته على تعريف نفسه سوى عبر سلوكياته المستوردة من السوق، ولتنحصر قيمة ما نقوم به في صيغته الظاهرية فقط، وهو التأثير الذي امتد ليطول كل رمز، فالسوق لا يكترث بما تحمله الرموز من قيم، ولا بما تحمله من إرث، حيث يمكنك مثلا أن ترى حذاء مصمما بألوان الكوفية وزخرفتها[10]، كما يمكنك في مختلف مناطق العالم أن ترى ما يُعبّر عن مسايرة تصميم الكوفية بألوانها وخطوطها للموضة. لتزيد بذلك الحمولات الرمزية التي أبعدت الكوفية عن إرثها النضالي الثوري تجاه تعبيرات هوياتية ضيقة، يُعيد الفلسطيني من خلال ممارساته تكريس واقع سياسي تشكّل وفق سياق تاريخي متقلّب وممزق.
رغم ما سبق، فإن الكوفية، ولا شك، ستبقى جزءا من الإرث النضالي الفلسطيني، والذي يُعيد تجسيد قيمه عبر الرموز، وفي ظل الحاجة الإنسانية إلى رموز -رغم ما تحمله من هشاشة تزداد بحسب توظيفها السياسي- فإنه يمكن لها أن تعيد الاتصال بما تحمله القضية الفلسطينية من إرث في المقاومة والنضال، والتي يمكن مع المنعطفات أن تعيد بعث معانيها من جديد. معانٍ ما زالت تتجسد في عدة مناطق بالداخل الفلسطيني المحتل كتأكيد على وجود الفلسطيني صامدا من محاولات الطمس التهويدية التي تطول كل رمز ثقافي وهوياتي فلسطيني، ومعانٍ ما زال فلسطينيون في الداخل والخارج يسعون للتأكيد أن الكوفية كرمز ليست بديلا عن النضال، ولكنها إرث يتجدد معناه بتجدد النضال الفاعل.

المشاركات الشائعة