الاثنين، 14 مارس 2016

لو كان جلال عامر حياً ورأى « ملك الفلاتر »!..



في مصـر لا يمشــي الحــاكم بأمــر الدستـــور 
... بل بأمــر الدكتـــور ...



(1)
ربما أبلغ دليل على أن مصر تقتل أولادها الموهوبين، هو ما حدث مع الراحل المبدع جلال عامر.
جلال عامر الذي مات وتخطى الستين، هو أشهر كاتب لجيل العشرين وما تحته.
جاء من زمن ماض لكنه حمل لغة المستقبل لشباب لا يعرف سوى التغريدات والتدوينات القصيرة على»تويتر» و «فيس بوك». إنه أهم من كتب الجملة المختصرة الحـراقـة التي لا تزيد عن 140 حرفا.
عندما كتب كتابه «مصر على كف عفريت» قال عنه إنه «محاولة لبحث حالة وطن كان يملك غطاء ذهب، فأصبح من دون غطاء بلاعة».
لكن ما يميزه أن سخريته كانت ممزوجة بأفكار فيلسوف فطري يسكن داخله. في عمود لا يزيد عن 300 كلمة كان يرفعك في السماء ثم ينزل بك إلى الأرض، ويطوف معك في زمان وأحداث ووقائع وأسماء وحكايات، ثم يخرجك وقد تخلصت من «الكسل العقلي».
(2)
حياة جلال عامر تلخص في طياتها مأساة مصر خلال حكم العسكر المتواصل منذ 1952، والذي دفن كل موهبة لا تسير في فلك السلطة . فهل يعقل أن كاتبا عبقريا مثله لم يعرفه القراء إلا خلال الأعوام الخمسة الأخيرة من عمره مع توسع الصحف المستقلة. فلم يعطه أي من الجالسين على «عرش» الصحف القومية المصرية أي فرصة للكتابة.
وهنا يحسب لهذه الصحيفة - «العرب»- أنها كانت أول صحيفة عربية تتلقف هذه الموهبة المصرية، وتتيح لها إطلالة أسبوعية على قارئ جديد خارج الحدود المحلية.
أثناء انتخابات مجلس الشعب النزيهة بعد المرحومة ثورة 25 يناير، سألته عن تجربته المريرة في انتخابات 2010 التي خاضها وشهدت فُـجرا في تزويرها لدرجة أنهم أعلنوا حصوله -وهو الرجل الشعبي الذي يقضي وقته كله في المقاهي بين الناس ويكتب عن آلامهم وأحلامهم- على 12 صوتا فقط!
فقال بجدية: أنا رافع قضية على وزير الداخلية!
قلت: أكيد طبعا هتتهمه بالتزوير؟
هنا ألقى قنبلته: طبعا.. إزاي آخد 12 صوت.. واللي انتخبوني مراتي وحماتي وأولادي الأربعة بس.. يعني إزاي يدّيني 6 أصوات زيادة!!
(3)
ظل بعبارات رشيقة يفضح زيف الكابسين على أنفاسنا، وبأسلوبه الذي يدل على بلاغة لغته ومعرفته الموسوعية وخبرته في الحياة، تعجب عامر من أن «مصر بدأت بحفظ الموتى، وانتهت بحفظ الأناشيد، لأن كل مسؤول يتولى منصبه يقسم بأنّه سوف يسهر على راحة الشعب، من دون أن يحدد أين سيسهر وللساعة كام؟ في مصر لا يمشي الحاكم بأمر الدستور، بل بأمر الدكتور، ولم يعد أحد في مصر يستحق أن نحمله على أكتافنا إلا أنبوبة البوتاجاز، فهل مصر في أيد أمينة أم في إصبع أميركا أم على كف عفريت»؟
ولأنه كان يرفض تفاهات الإعلام الموجه الممول الذي من ثوابته مهاجمة قطر، فقد كتب ذات مرة بعد الانتصار المشرف للعرب بفوز قطر بتنظيم كأس العالم 2022: «قطر هزمتنا في السياسة والإعلام والرياضة.. الحل الوحيد حتى نتخلص منها أن نرمي فيها حشيش، ثم نبلغ عنها»!
تمنيت أن يكون هذا الرجل حيا بيننا هذه الأيام، لأرى هل يستطيع السخرية بعدما تخطى واقع «ماسر» كل حدود اللامعقولية، واستأثر زعيمها المغوار لنفسه بكل شيء، فأصبح «طبيب الفلاسفة الأول» و «ملك الفلاتر الأول» و «الدكر الأول» و «الساخر الأول».





ليست هناك تعليقات: