(العسكرة والشخصية المصرية)
متى يحـــاكم السيســـي

في الشهر الماضي فقط - أغسطس 2013 – بدأت محاكمة منفذي أخر إنقلاب شهدته تركيا الذي وقع قبل ستة عشر عاما في 28 فبراير 1997 .
الإنقلاب الذي كرس هيمنة العسكر والدولة العميقة على حساب مصلحة الوطن وأخر تقدم تركيا في مجالات عدة اهمها مجالي الحريات والإقتصاد , نعم تأخر إستمتاع الشعب التركي بقيم الحرية والازدهار الاقتصادي اللذان اصبحا في متناوله فقط خلال العقد الاخير
كما تتجه انظار الاتراك لمشهد اخر مشابه ففي منطقة سيلفري قرب استنبول تعقد الجلسات النهائية لقضية ارغنكون التي يحاكم فيها عشرات العسكريين والصحفيين ورجال الدولة في تهمة محاولة الانقلاب على حكومة منتخبة ويحاكم في القضية 275 متهما بينهم 66 رهن الاعتقال، في مقدمتهم رئيس هيئة الأركان السابق "إيلكر باشبوغ" المعتقل منذ 6 يناير
المواطن التركي البسيط الذي عانى من الإنقلابات العسكرية المتكررة لم يخطر بباله ولم يتخيل ان قادة الجيش ورموز الدولة العميقة باطرافها العسكرية والمدنية سيكونون معرضين للمسائلة بل للمحاكمة والعقوبة يوما من الايام لانهم حرموه من اختياره الديمقراطي
المواطن التركي البسيط الذي شاهد الدولة العميقة تنفذ حكم الإعدام في الزعيم عدنان منداريس في ستينيات القرن الماضي كأوائل العمليات الكبيرة لاجهاض الديمقراطية الاسلامية مرورا بعشرات الموجات القمعية التي لم يكن اخرها حل حزب الرفاه عام 1988 يخرج اليوم من الكابوس الذي ظن ان الخروج منه بعيد المنال
المواطن التركي البسيط يشاهد 103 شخصية كانت سيدة المشهد التركي قبل سنوات يراهم اليوم يقدمون كمتهمين بسبب تورطهم في الانقلاب العسكري ويحاكمون بعد سنوات طويلة في ظاهرة حضارية تثبت ان الجرائم لاتسقط بالتقادم كما تحقق فائدة مضافة تجعل فكرة الاستيلاء على السلطة بالقوة العسكرية فكرة غير محبذة وشبه مستحيلة في تركيا المستقبل
الملاحظ ان انقلاب تركيا الاخير 1997 مشابه في بعض جوانبه لانقلاب مصر الاخير 2013 مع الاختلاف ان العسكر في مصر وجدوا مقاومة مدنية صلبة رغم سلميتها فإضطروا ان يتجهوا للعنف الشديد مخلفين الاف القتلى والمعتقلين بعد أن دمروا بإعلان الانقلاب جميع المسارات والمكتسبات الديمقراطية خلال عامين سابقين وأدخلوا مصر في حالة انقسام غير مسبوقة , عكس عسكر تركيا الذين اسقطوا حكومة أربكان وابقوا الدستور والبرلمان دون تغيير , ويفسر البعض العنف في الحالة المصرية كنتيجة لحجم التدخل الخارجي وكشرط من تلك الدول في إستمرار الدعم المالي والمعنوي للإنقلاب مما ورط العسكر في حالة عنف لم تعرفها مصر مطلقا
ثلاث انقلابات تركية نفذها العسكر في الاعوام 1960 / 1971 / 1980 سبقت الإنقلاب الرابع والاخير عام 1997 ,وجميع هذه الانقلابات الثلاث كان يقوم بها الجيش منفردا وبحجة واحدة هي حماية تركيا الحديثة والعلمانية , لكن الانقلاب الاخير في عام 1997 اختلف عن سابقيه كون اسباب اختلاقه كانت منعدمة من اساسها في ظل تطور العقلية والثقافة الديمقراطية وتواصل الحركة الاسلامية مع النسيج العام في تركيا , لذلك كان العسكر بحاجة لمساندة من جميع أركان الدولة العميقة في تنفيذ وتأييد الانقلاب جنبا لجنب دون مواربة , فشارك في دعم وتبرير إنقلاب 1997 جميع دوائر الدولة العميقة واهمها الاعلام الحكومي والخاص والقوى الاقتصادية ممثلة في الشركات الكبيرة ورجال الاعمال المتنفذين وكثير من المثقفين ومدراء الجامعات والهيئات القضائية والنقابات المهنية والغرف التجارية والصناعية , كلهم ساندوا الانقلات تحت ذريعة واحدة هي حماية العلمانية والهوية الكمالية الحديثة وحماية الاقتصاد التركي ومناصرة الشعب والمواطن التركي البسيط .
وباقي الشعارات التي لازلنا نسمعها في العالم العربي نجح العسكر دون مقاومة تذكر رغم المرارة التي شعر بها الاسلاميين داخل وخارج تركيا ولم يكتفوا بذلك فبعد الانقلاب مباشرة تمت عمليات إقصاء واستئصال شاملة في القطاعات السياسية والتعليمية والعسكرية والاقتصادية بهدف تطهير هذه الدوائر من الكوادر الاسلامية بل تم إقصاء كثير من الشخصيات الوطنية من غير الاسلاميين التي كانت تؤمن بالحريات والديمقراطية وتم استبدالهم جميعا بالكوادر العسكرية من المتقاعدين وبعض رجال الاعمال الذين يسيطرون على كبريات الشركات في الاقتصاد التركي كما شارك في عملية الإحلال بعض رموز العلمانية والمثقفين وتراجعت تركيا الحرية وتراجعت تركيا الاقتصاد مرة اخرى , بعد أن كانت على مسافة قريبة جدا من التحول لدولة رائدة وديمقراطية بفضل الاطر الحقوقية والاقتصادية التي نجح اربكان وحزبه في زرعها في المفاصل التركية المختلفة...
وباقي الشعارات التي لازلنا نسمعها في العالم العربي نجح العسكر دون مقاومة تذكر رغم المرارة التي شعر بها الاسلاميين داخل وخارج تركيا ولم يكتفوا بذلك فبعد الانقلاب مباشرة تمت عمليات إقصاء واستئصال شاملة في القطاعات السياسية والتعليمية والعسكرية والاقتصادية بهدف تطهير هذه الدوائر من الكوادر الاسلامية بل تم إقصاء كثير من الشخصيات الوطنية من غير الاسلاميين التي كانت تؤمن بالحريات والديمقراطية وتم استبدالهم جميعا بالكوادر العسكرية من المتقاعدين وبعض رجال الاعمال الذين يسيطرون على كبريات الشركات في الاقتصاد التركي كما شارك في عملية الإحلال بعض رموز العلمانية والمثقفين وتراجعت تركيا الحرية وتراجعت تركيا الاقتصاد مرة اخرى , بعد أن كانت على مسافة قريبة جدا من التحول لدولة رائدة وديمقراطية بفضل الاطر الحقوقية والاقتصادية التي نجح اربكان وحزبه في زرعها في المفاصل التركية المختلفة...
للاسف دخلت الدولة العظيمة غيبوبة جديدة فعانت من حالة ركود اقتصادي وموجة جديدة من الفساد المالي والإداري الغير مسبوقة فتردى الاقتصاد ووصل العجز والديون لارقام قياسية .......
قدرت تكلفة إنقلاب 1997 واثاره بأكثر من 330 مليار دولار دفعتها الخزانة والمواطن التركي خلال خمسة اعوام فقط
لم يهنأ الانقلابيون كثيرا خلال هذه السنين فلأول مرة تواجه الحكومة التركية صعوبة في دفع رواتب الموظفين وصعوبة في دفع فوائد الديون المحلية كما بلغ التضخم والغلاء ارقام قياسية أما العملة فقد اصبحت طرفة بالنسبة للاتراك قبل غيرهم خصوصا حينما أصدرت الحكومة ورقة نقدية من فئة عشرون مليون ليرة تركية . لكن هذه الورقة لم تكن كافية لشراء حذاء مستورد , هذه الحالة الاقتصادية البئيسة وتنامي الطبقية أثار حفيظة المواطن التركي وبدأت تنحسر مقاومة الاعلام الموجه والنخب الفكرية ورجال الاعمال الذين عجزوا جميعهم عن مواصلة نفخ الروح في الصنم الحاكم , بل نشبت حرب مصالح بين تلك القوى ففقدت معادلتها ومنظومتها وسيطر على الموقف تبادل التهم والتسابق للمكاسب السريعة بين رفاق الامس منفذي ومؤيدي الانقلاب
كان تغير النفوذ لصالح الاسلاميين خلال هذه الفترة أمرا طبيعا , وتعامل الحكام الجدد في تركيا منذ وصولهم للبرلمان عام 2002 مع العسكر والعلمانيين بكل سلمية وإنفتاح وعدم إقصاء متناسين معاناتهم الطويلة , لكن تعاملهم الحضاري مع خصوم الامس لم يمنعهم من الاصرار على تثبيت انفسهم وفق الاطر القانونية في المواقع المختلفة وعملوا على التفتيت التدريجي لجيوب الدولة العميقة في جميع دوائرها وطبقاتها....
.وقد حققوا حتى اليوم كثير من الانجازات .
فأصبح الكثير اليوم يذكر تنظيم (أرجنا جون) على سبيل التندر كجزء من التراث التركي البائد رغم أن (أرجنا جون) كان لسنوات قريبة له مفهوم اخر في أذهان الساسة والاعلاميين الاتراك فقد كان يمثل جسد الدولة العميقة وعمودها الفقري الجيش التركي
قد ينظر البعض للمحاكمات التي تجري في تركيا وكأنها محاكمات رد إعتبار لاتغني ولا تسمن من جوع ويشبهونها بمحاكمة رد الاعتبار للعالم جاليليو بعد مئات السنين من موته .
لكن جميع القوى الاسلامية والحقوقية والمدنية تشعر بسعادة وإرتياح للمحاكمات المختلفة لاركان النظام الدكتاتوري السابقة كون هذه المحاكمات تعيد الحق المعنوي لاصحابه , الجميع متفهم أن اعادة الحق المادي لاصحابه شبه مستحيل . فالعديد من الضحايا الذين ادخلوا السجون او فقدوا وظائفهم او منعوا من التعليم الحكومي لايمكن تعويضهم اليوم عن معاناتهم بسبب كثرتهم او كبر بعضهم او وفاة البقية , في نفس الوقت كثير ممن شارك في الجريمة يصعب محاكمته لوجوده خارج تركيا او بسبب وفاته أو غير ذلك من الاسباب كعدم توفر الادلة والقرائن البينة , مع كل ذلك تترك هذه المحاكمات اثار ايجابية على التجربة الديمقراطية وعلى نفسيات الشعب التركي كما ستمهد لمرحلة جديدة وتكرس أدبيات عامة تمنع مستقبلا إستخدام القوة لإلغاء اصوات الناخبين أو حرمانهم من مقدراتهم الاقتصادية والدينية
اليوم يفتخر المواطن التركي بأنه تركي ولن نخوض في الانجازات الاقتصادية التي يلمسها أعداء تركيا قبل محبيها فلغة الارقام تقول ان الاقتصاد التركي الذي كان رقمه 25 اوربيا اصبح السادس كما اصبح مركز تركيا عالميا في المرتبة 18 بعد ان كانت تقبع في مابعد الخمسين كما لايخفى على الجميع تغير حالة الإحترام الاقليمي والدولي الملحوظ لتركيا خلال العقد الاخير
ومن الملاحظ خلال السنوات الاخيرة ان الدولة التركية الحديثة لديها شغف بتنويع التوسع الجغرافي داخل وخارج مناطق العمق التركي القديم فبزيارة أي دولة افريقية او اسيوية والبحث عن المدارس الخاصة المتطورة سنلمس ونرى تنوع التمدد التركي . حيث اصبحت المدراس التركية هي وجهة النخب في تلك الدول ومقصد ابناء رجال الاعمال والدبلوماسيين والمثقفين من الجنسيات المختلفة
عودة للدولة العميقة ففي الستينات كان مجرد ذكرها فكره غير مطروحة حتى تمكن رئيس الوزراء السابق بولنت اجاويد عام 1974 من التصريح المباشر عن وجودها بينما إكتفى عدة زعماء بالتلميح لها . ولازال هناك من يؤمن حتى اليوم بقوة الدولة العميقة وبأنها لم تهزم تماما مستشهدا بإكتشاف اجهزة تنصت في مكاتب حكومة اردوغان خلال العام الماضي بعد عشر سنوات من وصولها الحكم . لكن معظم الشباب الاتراك يظنون ان ذلك البعبع قد مات او ضعف على الاقل وان الجيش لم يعد هو حامي العقيدة الكمالية كما سبق بل اصبح الجيش اليوم حاميا للدولة والشعب التركي
الدول ذات الحضارة والكثافة السكانية مثل تركيا ومصر لم يعد بوسعها تحمل الانظمة الأوتقراطية .

صحيح ان الحالتين التركية والمصرية ليستا متطابقتان تماما لكن يمكن المقاربة بين الحالتين في عدة جوانب موجود ويتوقع ان تكون النتائج على المدى المتوسط شديدة التشابه
تحكم حكومة السيسي بوسائل الاعلام المختلفة والمساندة المحزنة من معظم القوى العلمانية لهستيريا القتل والقمع المروعين ليس نهاية القصة . فالمعادلة الشعبية في الداخل المصري وفي العالم الخارجي شديدة التغير لصالح اليقظة ضد الانقلاب كما يتم تسجيل مزيد من الانفتاح على الوعي المختطف خصوصا مع تطور شباب المقاومة في الاستفادة من البدائل الاعلامية الرخيصة التي حرمت الحكومة من الاستفراد بالمشهد الاعلامي
الحالة السياسية المصرية اليوم في ذروة الصراع بين طرفين كلاهما يظن ان الوقت جزء من انتصاره , لكن دراسة عميقة لسجل الثورات السابقة في دول العالم المختلفة تبين ان الوقت في صالح الشرعية والمقاومة السلمية مهما حاول العسكر مسابقة الزمن على الارض لتثبيت الانقلاب
التجربة التركية والعالم الحر يرفع اليوم شعار رابعة ويصرخ متيقنا ان قوة الحق ستهزم حق القوة.
(العسكـــرة والشخصيـــة المصــــرية)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق