الأحد، 24 فبراير 2013

مَجد فرضَه التاريخ / ذئاب الجبل الخسيس يثأر لخسته من شرف الشريف


صـــراع السلطـــة فى مصــــر
.. قصة الأمس واليوم .. 
 أصبحت السلطة فى ظل الشرعية
وأصبح الشعب يمارس حقه فى الانتخاب، 
(سنُبارك) فقط لمن ينتخبـــه الشــعب 
لا من يكسر (جمجمة) الشرعية.


فى رواية أناتول فرانس الشهيرة (جزيرة طيور البنجوين) يأتى لص عملاق على مزارع هزيل صعلوك يرعى مزرعته المزروعة خسًا ويقول له: مزرعتك ملك لى!!.. ويهبط على جمجمة الصعلوك الهزيل فيقتله..!!
كان يرى ذلك المشهد رجلان، صرخ أحدهما من هول المنظر وبشاعته، وابتسم الآخر قائلا له: لا تصرخ.. هكذا توضع الأسس المقدسة للمالك والينابيع الدافقة لكل الفضائل والعظائم الإنسانية..!!
■■ الملكية أساسها القوة، وهى لذلك مقدسة ولا تضمحل إلا أمام قوة أكبر.. وما فعله هذا العملاق يستدعى التهنئة وذهب إلية يهنئه:
أيها الأمير الخطير الرهيب أتيتك أزجى لك خالص الولاء وأؤدى فروض الطاعة بصفتك مؤسس شرعية وثروة خالدة سيتوارثها أحفادك جيلاً بعد جيل.. إن جمجمة الصعلوك التى أطاحت بها ستبقى شاهدة فى طين مزارعك على حقوق ذريتك المقدسة التى تشرفت بوطء قدميك.. طوبى لأبنائك وأبناء أبنائك.
 وأخذ يقول لصاحبه الآخر الذى صرخ: بارك الرجل. ويبدو أن هذا هو حال السلطة فى البشر من قديم القديم..
 * وقصة السلطة فى مصر من تأسيس الجمهورية 1952 إلى يومنا هذا، وإن ابتعدت قليلا عن مشهد العملاق والمزارع، إلا أنها تقترب منها بعض المقاربة فى بعض مواقفها..
بدأ الصراع بين عبد الناصر ومحمد نجيب، ثم بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، ثم بين السادات ومجموعة على صبرى..
 ثم هاهى المشاهد تعيد نفسها وإن اختلفت فى بعض مكوناتها.
 غير أن المنهجية الأولى التى أسس لها المرحوم جمال حسين عبد الناصر تركت أثرا بعيدا فى فكرة الصراع على السلطة، والمنهجية الأولى التى أقصدها هى افتعال المظاهرات المدفوعة الثمن، وإذ نستدعى هذا المشهد سنجد أنفسنا أمام اسمين ذهبا طى النسيان، وكان لهما دور كبير فى صنع هذه المظاهرات، وهما أحمد طعيمة وإبراهيم الطحاوى.. اللذين قادا مظاهرات وإضرابات عمال النقل للمطالبة ببقاء مجلس قيادة الثورة والهتاف ضد الديمقراطية والأحزاب، وذهبوا إلى مجلس الدولة وضربوا العلامة الفقيه عبد الرازق السنهورى. وخرج عبد الناصر من هذه الأزمة المشهورة (بأزمة الديمقراطية) منتصرا بعد أن كان قد فقد الأمل فى وجود حل للخروج من هذه الكارثة، حتى لقد اقترح على طعيمة والطحاوى وكانا يزورانه ترك السلطة ومعاودة النشاط السرى تحت الأرض! ونجحت حركة مارس المضادة لمحمد نجيب وللديمقراطية .. وخرج طعيمة من هذه الأزمة بطلاً منقذًا وعرض عليه عبد الناصر أن يكون وزيرًا للعمال.. لكن عبد الناصر تصور أن طموحات طعيمة أكبر من منصب الوزير وأنه يتطلع الى رئاسة الجمهورية.. وأنه مثل (خوان بيرون) فى الأرجنتين الذى صعد إلى السلطة بعلاقاته بالعمال (1946م - 1955م).. سينتهى المشهد سريعا بمقولة عبد الناصر لمن حوله (أريد أن أكسر حاجة اسمها الطحاوى وطعيمة).

 وهو ما حدث بالفعل بحل هيئة التحرير وتأسيس الاتحاد القومى.. فى غضون هذه الأحداث التى أهمل فيها الوطن وقدست السلطة ستحدث حرب 1956م بهزيمتها التى أسست لهزيمة 1967م. ببقاء عبد الحكيم عامر على رأس الجيش ليحمى عبد الناصر.. ولأن طبيعة الإنسان هى الإنسان نفسه.. سيمتد المشهد حتى نرى مأساة تحتاج إلى صراع ينتهى بفاجعة.. فيبدأ صراع أشرس بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر لم يكن الوطن ومصالحه العليا حاضرا فيه بأى قدر من الحضور .. ويختلط كل شىء بكل شىء.
ويموت عبد الناصر مصروعًا بالحسرة وخيبة الأمل.
ويأتى السادات ويستمر صراع السلطة بين تلاميذ عبد الناصر النجباء، شعراوى جمعة وعلى صبرى والفريق فوزى وسامى شرف.. ويعتصم السادات بالشرعية فينقذه قائد الحرس الجمهورى الليثى ناصف الذى سيموت منتحرا فى لندن آخذا معه فى قبره حزمة من الأسرار المرعبة.
 وتمر السنون ويتجدد صراع السلطة ويستخدم فيه أحد تلاميذ عبد الناصر بسكرته النشوانة.. نفس الأسلوب البالى الخسيس وهو المظاهرات مدفوعة الثمن متحالفا مع تلاميذه القدامى أبناء وأحفاد هيئة التحرير والاتحاد القومى والاتحاد الاشتراكى والحزب الوطنى.. ويغيب الوطن ومصالحه العليا وتحضر السلطة بغوايتها الشريرة لتذكرنا بالعملاق اللص فى رواية أناتول فرانس .. لكن المزارع صاحب مزرعة الخس لن يكون هزيلا ولن تتكسر جمجمته فى طين المزرعة.. فى صراع السلطة القديم الذى بدأه عبد الناصر كان جيش مصر العظيم حائرا أمام ما رآه وشهده.. ولم تكن قد تشكلت بعد عقيدته الصلبة التى غرسها الشهيد عبد المنعم رياض .. فتصرف على نحو برىء.. وكانت أم الهزائم 1967م قد علمته الكثير، فكانت صولته الهادرة فى 1973م، ولولا ألاعيب السادات وقتها لكان نصرا عزيزا مجلجلا بأضعاف ما كان وقتها.
 البراءة الأولى التى انتهكها ناصر وعامر اكتسبت وعيها العبقرى على يد الشهيد رياض.. الذى لم يكن يعد الجيش وقتها ليقاتل ويحرر أرضا.. بل لينقذ أمة من الانهيار.. كما كان يقول لجنوده وضباطه.. (مجد فرضه التاريخ).
 وقبل أن ينزل الجيش إلى الشارع فى 18/19 يناير يطلب الجمسى أمرا مكتوبا من السادات.. ويتصرف على نحو البطولة والشرف حين يكون فى الشارع. ثم كانت الوقفة الأعظم إلى جوار الثورة فى 25 يناير .. ورغم ما شابها من ارتباك ستظل تلك الوقفة علامة شرف فى جبين الجيش والشعب.
 (ما أعرفه قد دفعت الثمن لمعرفته)
 سنسمع بعدها ثغاء العبيد من الموتورين والسفهاء فى بجاحة باردة.. تحريضا خسيسا للنيل من شرف الجيش العظيم بدعوته للانقلاب على الشرعية.. ستزداد الخسة بالحديث عن الجيش حديثا رخيصا بقصة (الأخونة).. وهكذا تتأكد لنا كلمة شكسبير بأن (الخسيس يثأر لخسته من شرف الشريف). لكن جيش الشعب الساكن فى قلوب المصريين أشرف قدرا من الالتفات إلى ذلك الطنين الخسيس. فهو شرف فى شجاعة.. وذكاء فى وقار.. وقدرة فى وفاء. 
 ولأن كل مرحلة جديدة تفرض نفسها بقوة الميلاد وبقوة الضرورة التاريخية التى أهابت بها لتجيء.. كانت ثورة يناير حدا تاريخيا فاصلا فى صراع السلطة فى مصر.. لم تعد السلطة ملقاة على قارعة الطريق ينتهبها المتصارعون والمغامرون والطائشون.. أصبحت السلطة فى ظل الشرعية.. وأصبحت الشرعية فى ظل الشعب.. وأصبح الشعب يمارس حقه فى الانتخاب، (سنبارك) فقط من ينتخبه الشعب لا من يكسر (جمجمة) الشرعية.






ليست هناك تعليقات: