الاثنين، 25 يونيو 2012

التناقضات بين قوى الثورة وقوى السكون


ثورات‮ .. ‬لكــن‮ ‬فى‮ ‬يــد قــوى‮ ‬سكونيــة
‬الثورة فعـل‮ ‬يتحـدى السـكون
الثورات العربية لا‮ ‬يزال أمامها أشغال شاقة وهي‮ ‬تتطلع لإنجاز 
مهمة التحول الديمقراطي‮ ‬الصعبة‮.
الثورة لا تسعى فقط إلى التخلص من بقايا النظام‬ 
وإنمـا تحاول أيضاً‮ ‬أن تقهـر قـوى ومؤسسات السكــون


الثورة التي‮ ‬لا تخطىء لم تحدث بعد‮...‬فالثورات ليست أفعالاً‮ ‬معصومة،‮ ‬بل الطبيعي‮ ‬أن ترتكب كل ثورة أخطاء‮. ‬والثورة التي‮ ‬تمضي‮ ‬بلا تعثر وتتقدم بلا عائق وفقاً‮ ‬لخطة عمل واضحة من البداية أقرب إلى الخيال السياسي‮ ‬وليس الحقيقة‮....‬فكل ثورة تعدل وتغير كلما تخبطت‮. ‮. ‬أما الثورة التي‮ ‬تهب ثم تُسلم رايتها إلى مؤسسات وقوى سكونية فليست ثورة بالمرة‮. ‬ فالثورة تغيير سريع‮ ‬يسابق الزمن،‮ ‬ونافذ‮ ‬يصل إلى الأعماق،‮ ‬وشامل لا‮ ‬يستثني‮ ‬من أمامه شيئاً‮. ‬أما قوى السكون فتفكيرها بطيء لا‮ ‬يأخذ الوقت في‮ ‬اعتباره،‮ ‬وسطحي‮ ‬يقف عند حدود الشكل،‮ ‬وجزئي‮ ‬يعتبر السير خطوة كأنه قطع للطريق بأكمله‮.
‬وبينما الثورة حالة جماهيرية تصل بالفعل السياسي‮ ‬إلى أعلى درجات الحركة،‮ ‬فإن قوى السكون،‮ ‬جماعات ومؤسسات،‮ ‬تحاول أن تهبط بالفعل السياسي‮ ‬إلى حالة من الجمود‮. ‬الثورة فعل‮ ‬يتحدى السكون‮. ‬أما قوى السكون فتأبى أن تتجاوب مع التغيير الثوري‮. ‬ والعلاقة بين قوى الثورة وقوى السكون علاقة بين نقيضين،‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن تنهض على الثقة والقبول،‮ ‬وإنما تغلفها ظلال كثيفة من الرفض والريبة‮. ‬وأي‮ ‬تعايش‮ ‬ينشأ بين الاثنين لا‮ ‬يكون عن تراض واختيار،‮ ‬وإنما لدواعي‮ ‬الحاجة والاضطرار‮. ‬تعايش تحتمه موازين القوى وأقدار اللحظة‮. ‬فقوى الثورة مهما اشتد عودها،‮ ‬وقضت حتى على الجزء الغاطس من النظام القديم ستجد نفسها بعد ذلك أمام قوى ومؤسسات السكون التي‮ ‬يبقي‮ ‬الجزء الأكبر من جسدها مختبئاً‮ ‬في‮ ‬الأعماق،‮ ‬وقد تضطر الثورة،‮- ‬بعد أن تكون قد أُنهكت‮ -‬إلى القبول بها والتعامل معها‮. ‬ومؤسسات السكون بدورها لو عجزت عن منع الثورة أو فشلت في‮ ‬إجهاضها فلن تجد أمامها بديلاً‮ ‬غير السير في‮ ‬اتجاه التيار وركوب موجة الثورة حتى لا تفقد الزمام تماماً‮ ‬من‮ ‬يديها‮. ‬ومع أنها قوى سكونية تكره نداء الثورة إلى التغيير،‮ ‬إلا أنها لا تتردد في‮ ‬تلبيته مع أنها تمقته،‮ ‬بل ولا تتردد في‮ ‬ترديده مع أنها تحاول أن ترده‮. ‬هي‮ ‬قوى استاتيكية بطبعها متى حملتها مفاجأة الثورة على الحركة إلا وتتعهد بتنفيذ أهدافها‮. ‬أما على الأرض فتتعامل مع الثورة على وقع ما تراه،‮ ‬لا ما تعهدت به‮. ‬
 وهكذا تمضي‮ ‬العلاقة بين المتناقضين‮. ‬الثورة تتحول إلى شوكة في‮ ‬حلق مؤسسات السكون لأنها تحاول بناء واقع مختلف‮. ‬ومؤسسات السكون تتحول إلى عبء على الثورة لأنها تركب على أكتافها متظاهرة لها بالمناصرة بينما هي‮ ‬تثقل عليها وتكاد تغرقها‮.
 ‬والتناقضات بين قوى الثورة وقوى السكون كثيرة‮: ‬من الاختلاف على أساليب وحدود تصفية الماضي،‮ ‬إلى طبيعة وشكل المستقبل‮.
‬والتناقضات بطبيعتها تتصارع ولا تتعايش،‮ ‬تتناحر ولا تتوافق‮. ‬تعايشها إن حدث فمؤقت وتوافقها إن تم فهدنة،‮ ‬ولهذا‮ ‬يهدد أي‮ ‬ثورة أن لا ترى التناقض بينها وبين المؤسسات والقوى السكونية،‮ ‬أو أن تضطرها صيرورة التحول من ثورة إلى دولة إلى وضع عهدة التغيير في‮ ‬يد تلك المؤسسات التي‮ ‬لن تتردد في‮ ‬تبريد أو تحديد أو تجميد إن لم‮ ‬يكن تبديد الثورة‮.  ‬
وشيء من هذا‮ ‬يجري‮ ‬حالياً‮ ‬مع ما بات‮ ‬يسمى إعلامياً‮ "‬بثورات الربيع العربي‮"‬،‮ ‬وهي‮ ‬تسمية في‮ ‬حاجة إلى وقفة ناقدة‮. ‬ فالثورة لا تسعى فقط إلى التخلص من بقايا النظام القديم‮ - ‬وهي‮ ‬مهمة ليست سهلة‮ - ‬وإنما تحاول أيضاً‮ ‬أن تقهر قوى ومؤسسات السكون التي‮ ‬تستمر حتى بعد سقوط النظام القديم بأكمله،‮ ‬وهي‮ ‬مهمة أشد صعوبة‮. ‬ولهذا السبب قد لا‮ ‬يرقى ما حدث في‮ ‬العالم العربي‮ ‬حتى الآن،‮ ‬برغم أهميته وخطورته،‮ ‬إلى وصف الثورة‮. ‬وقد تبدو في‮ ‬هذا الرأي‮ ‬قسوة،‮ ‬لكن فيه أيضاً‮ ‬مصارحة،‮ ‬كذلك فإن تعبير‮ "‬الربيع‮" ‬لا‮ ‬يبدو منسجماً‮ ‬مع ما نبصره من مشاهد وما نسمعه من حكايات‮. ‬فليس هناك ورود تتفتح،‮ ‬وإنما دماء تراق،‮ ‬وليس هناك فراشات تطير،‮ ‬وإنما أرواح تصعد إلى بارئها‮. ‬وليس هناك بشائر لنسيم سياسي‮ ‬قادم،‮ ‬وإنما زوابع وتلال من الغبار والأتربة‮. ‬ما تبثه الشاشات،‮ ‬مشاهد للقتل والدمار والتشنج وليس للتمكين والتهليل والتهاني،‮ ‬فكيف والوضع على هذا النحو‮ ‬يستعمل تعبير‮ "‬الربيع"؟ كيف؟ ‮ ‬ما جرى لأكثر من عام أن هبات شعبية عظيمة انفجرت فأسقطت حكاماً،‮ ‬لكنها لم تسقط بعد كل نظم حكمها القديمة،‮ ‬كما لم تلتفت إلى مؤسسات وقوى السكون المنتشرة حولها،‮ ‬والتي‮ ‬بدأت تتلقفها بخبث وتحتضنها بذكاء إما لكي‮ ‬تحبط تلك الثورات بالكليةً،‮ ‬أو لتديرها بالمنطق الذي‮ ‬تعرفه مؤسسات السكون،‮ ‬وهو أن‮ ‬يبقى التغيير دائماً،‮ ‬لو كان لا فكاك منه،‮ ‬في‮ ‬حده الأدنى‮.
‬فالقوى والمؤسسات السكونية لا تحب الحركة،‮ ‬وإنما تفضل عليها الثبات،‮ ‬ولا تميل إلى التغيير،‮ ‬وإنما إلى الاستمرار‮. ‬ولو اضطرتها الظروف إلى الوجود في‮ ‬أنواء الحركة‮ - ‬وأخطرها بالطبع حالة الثورة،‮ ‬فتسعى إلى أن تكون بطيئة ولو استطاعت فستجعلها تدور في‮ ‬وضع محلك سر‮. ‬وبسبب طبيعتها الرجعية المحافظة،‮ ‬تعتبر قوى ومؤسسات السكون العدو الصامت للثورات‮. ‬تدعي‮ ‬في‮ ‬العلن أنها مع الثورة بينما في‮ ‬العمل تحاول أن تلجمها،‮ ‬تزعم أنها تريد للثورة أن تنطلق بسرعة،‮ ‬لكن ليس بسرعة الحركة‮ ‬kinetic speed ‮ ‬
وإنما بسرعة الثبات.idle speed والمؤسسات السكونية هي‮ ‬كل بنية اجتماعية أو ثقافية أو سياسية أو اقتصادية عتيقة وعميقة لا تحب الحركة والتغيير‮. ‬تعتبر أن الحركة ضرراً،‮ ‬وأن التغيير شراً،‮ ‬وأن التجديد انحرافاً‮. ‬قد تكون جهازاً‮ ‬حكومياً‮ ‬أو سفارة أجنبية أو نخبة رجال أعمال أو تياراً‮ ‬أيديولوجياً،‮ ‬وأية قوة أخرى تحاول أن تبقي‮ ‬على القديم برغم عيوبه وتسفه الجديد برغم أهميته‮. ‬
هم فاعلون سياسيون‮ ‬يدافعون عن حالة السكون إما لأنه سبق لبعضهم قبل الثورة أن استفادوا منها عندما استحوذوا في‮ ‬ظلها على الحيز العام وباتوا‮ ‬يحاولون ألا‮ ‬يفقدوه،‮ ‬أو لأن بعضهم الآخر دخل إلى هذا الحيز راكباً‮ ‬قطار الثورة ولا‮ ‬يريد أن‮ ‬يتركه وهو للتو قد دخل إليه‮. ‬ومؤسسات السكون العربية متنوعة ونافذة‮. ‬الجيش مثلاً‮ ‬مؤسسة سكونية،‮ ‬والقبيلة مؤسسة سكونية‮. ‬
والطائفة مؤسسة سكونية‮. ‬والقوى الدينية مؤسسة سكونية‮. ‬وقوى الجوار النافذة إلى جانب قوى العالم القافزة على المنطقة هي‮ ‬أيضاً‮ ‬مؤسسات سكونية‮. ‬ ‮ ‬فلولا قوى السكون الإقليمية في‮ ‬الخليج مثلاً‮ ‬لما كانت ثورة البحرينيين قد أحبطت،‮ ‬بل ربما كانت قد حققت جزءاً‮ ‬من مراميها‮. ‬ونفس قوى السكون الإقليمية هذه التي‮ ‬تدخلت في‮ ‬البحرين‮()‬،‮ ‬مع أنها لا تحاول أن تغير من نفسها سياسياً،‮ ‬هي‮ ‬التي‮ ‬رعت المبادرة الخليجية في‮ ‬حالة اليمن،‮ ‬وهي‮ ‬لم تفعل ذلك حباً‮ ‬في‮ ‬ثوار اليمن،‮ ‬وإنما لأنها قدرت أن علي‮ ‬عبد الله صالح قد احترق سياسيا،ً‮ ‬وأنه لو بقى بدعم من دول مجلس التعاون على عكس إرادة اليمنيين فقد‮ ‬يتسبب في‮ ‬تحول اليمن إلى خنجر‮ ‬يضرب الخاصرة الخليجية بأكملها،‮ ‬ولهذا كانت المبادرة الخليجية لإعادة ترتيب المشهد اليمني‮ ‬بحسب ما ترى مؤسسات السكون في‮ ‬المنطقة وليس كما‮ ‬يطالب الثوار في‮ ‬اليمن‮. ‬ ‮
‬ولولا قوى السكون القبلية والمناطقية في‮ ‬ليبيا لما كانت ثورة السابع عشر من فبراير2011،‮ ‬قد انحرفت عن مسارها بهذه السرعة وتلك الخطورة‮. ‬فقد سارعت تلك القوى بمجرد أن دخلت إلى الحيز العام الذي‮ ‬حرمها القذافي‮ ‬منه لسنوات طويلة إلى التمرد على هدف الثورة المبدئي‮ ‬في‮ ‬بناء دولة ليبية ديمقراطية حديثة،‮ ‬فاهتمت بالقبيلة على حساب الوطن،‮ ‬وبالإقليم على حساب الدولة‮. ‬
وبدلاً‮ ‬من أن تتحول ليبيا من ثورة إلى دولة أعلنت واحدة من قوى السكون فيها عن مشروعها الخاص للمستقبل بتشكيل‮ "‬مجلس إقليم برقة الانتقالي‮" ‬برئاسة الشيخ أحمد الزبير الشريف السنوسي،‮ ‬وهو موقف‮ ‬يدل على فكر ما زال‮ ‬يتشرنق في‮ ‬ذاكرة جمعية ضيقة للقبيلة والمنطقة،‮ ‬تحاول أن تنسلخ عن الدولة،‮ ‬مهددة ليبيا بالتمزق أو بحرب أهلية‮. ‬ ‮
‬لكن أبرز قوى السكون التي‮ ‬تلقفت الثورات العربية وأمسكتها بقوة اثنتان‮: ‬المؤسسة العسكرية والقوى الدينية‮. ‬الأولى لتحمي‮ ‬مصالحها وملفاتها القديمة،‮ ‬والثانية لتحصد ثماراً‮ ‬فاقت ما زرعته من أجل الثورة‮. ‬ففي‮ ‬مصر مثلا،ً‮ ‬ظلت المؤسسة العسكرية لثلاثين عاماً‮ ‬مؤسسة سكون،‮ ‬ثم قدمت نفسها مع ثورة‮ ‬يناير على أنها مؤسسة حركة،‮ ‬ولم‮ ‬يكن ذلك مقنعاً‮. ‬
فقد كانت لعقود بسبب المنافع وتشابك المصالح جزءاً‮ ‬لا‮ ‬يتجزأ من البنية العامة للنظام السابق،‮ ‬لكن بنيتها الذهنية لم تسوغ‮ ‬لها القبول بسيناريو التوريث الذي‮ ‬كان‮ ‬يعد له‮.
‬ما كانت تنتظره فرصة أو لحظة مناسبة للتدخل لإيقاف هذا السيناريو وليس لإسقاط النظام،‮ ‬وهو ما أتاحته ثورة الخامس والعشرين من‮ ‬يناير‮. ‬ ‮
‬لكن المجلس الأعلى للقوات المسلحة تصرف منذ أن تولى السلطة كمؤسسة سكونية وليس ثورية،‮ ‬سواء فيما‮ ‬يخص تصفية النظام السابق أو وضع أسس النظام الجديد‮. ‬فلأنه مؤسسة سكون لم‮ ‬يهتم المجلس بمعركة التطهير وكأن المصريين ليس لهم مشاكل حادة مع النظام القديم‮. ‬فلم‮ ‬يهتم بتلك المعركة ليس فقط على مستوى الفعل،‮ ‬بل وحتى على مستوى الخطاب‮. ‬فمن بين‮ ‬94 رسالة أصدرها المجلس العسكري‮ ‬خلال الفترة من فبراير إلى ديسمبر‮ ‬2011‮ ‬لم ترد إشارة إلى مطالبة الثورة بتطهير النظام القديم إلا ثلاث مرات في‮ ‬الرسائل‮ ‬31 و34‮ ‬و35 بنسبة‮ ‬3‭.‬1٪ عن رسائله خلال تلك الفترة‮. ‬ولأكثر من سنة اتضح أن معالجة الماضي‮ ‬وتطهير بقاياه تسير في‮ ‬أضيق الحدود على عكس ما تطالب به الثورة‮. ‬وفيما‮ ‬يخص بناء النظام الجديد فإن أول قوى جرى تجاهلها هي‮ ‬التي‮ ‬قامت بالثورة‮: ‬الشباب‮.
 ‬فقد تعاطف المجلس الأعلى للقوات المسلحة مع الثورة وتماشى باللسان مع أطروحاتها إلا أنه كمؤسسة سكونية أظهر في‮ ‬الفعل حرصاً‮ ‬كبيراً‮ ‬على تفريغ‮ ‬ميدان التحرير،‮ ‬ركيزة الثورة،‮ ‬من المتظاهرين بدعوى الحفاظ على الأمن والاستقرار راسماً‮ ‬بذلك في‮ ‬أذهان المصريين صورة سلبية عن ثوار الميدان تظهرهم وكأنهم المسئولين عن تعطيل المرافق العامة ووقف عجلة الإنتاج‮. ‬ ولم تسلم الثورات العربية كذلك من‮ ‬يد القوى السكونية الدينية التي‮ ‬انحرف بعضها بمسار هذه الثورات من محاولة لبناء نظم سياسية عربية ديمقراطية مدنية حديثة إلى محاولة تمكين تصور أيديولوجي‮ ‬قد‮ ‬ينتهي‮ ‬بالمنطقة وفيها أكثر من دولة‮ ‬يحتكرها تيار ديني‮ ‬مغال في‮ ‬المحافظة والجمود‮. ‬فالثورة التونسية مثلاً‮ ‬لم تشعلها حركة النهضة،‮ ‬لكنها جنت معظم ثمارها‮.
‬كما أنها لم تعرف مشاركة من قبل السلفيين التونسيين،‮ ‬بل ولم‮ ‬يكن أحد‮ ‬يسمع بهم أصلاً‮. ‬لكنهم قفزوا فجأة إلى صدر المشهد،‮ ‬وبلغت جرأة بعض منهم على الثورة أن قامت مجموعات سلفية مؤخراً‮ ‬في‮ ‬تصرف له دلالة رمزية كبيرة بإسقاط العلم الذي‮ ‬ضحى من أجله التونسيون ضد الاستعمار والاستبداد من فوق مبنى كلية الفنون والآداب في‮ ‬مدينة منوبة الواقعة في‮ ‬شمال تونس ليضعوا بدلاً‮ ‬منه علماً‮ ‬أسود قالوا إنه‮ ‬يرمز للخلافة الإسلامية‮.‬ ‮ ‬
ولم تكن الصورة في‮ ‬مصر أفضل حالاً‮ ‬لأن القوى السكونية هي‮ ‬التي‮ ‬قطفت ثمار أول انتخابات برلمانية بعد الثورة فأصبحت تتحكم في‮ ‬لجان المجلس التشريعي،‮ ‬وتسير أعماله في‮ ‬ظل تهميش عددي‮ ‬ونوعي‮ ‬للقوى الثورية،‮ ‬بالذات من الشباب،‮ ‬الذين كان‮ ‬يفترض أن‮ ‬يشغلوا أغلبية مقاعده‮. ‬وبسبب هيمنة قوى السكون على البرلمان المصري‮ ‬الجديد خرج واحد من أعضائه القلائل من ذوي‮ ‬الخبرات العلمية المتميزة في‮ ‬حقل الدراسات السياسية،‮ ‬وهو الدكتور وحيد عبد المجيد ليكتب في‮ ‬التاسع من مارس2012 في‮ ‬جريدة‮ "‬المصري‮ ‬اليوم‮" ‬قائلاً‮: "‬الأرجح أن من‮ ‬يراهنون الآن على مجلس الشعب ويقف الآلاف منهم على أبوابه كل‮ ‬يوم سيدركون خلال أسابيع أو أشهر قليلة حدود دور هذا المجلس‮."
‬وهو كلام له أهميته لأنه‮ ‬يصدر عن محلل سياسي‮ ‬له باعه،‮ ‬وعضو برلماني‮ ‬له فعاليته‮. ‬
 كلام‮ ‬يشير إلى أن البرلمان الجديد بسبب الميول السكونية لأغلبية أعضائه لم‮ ‬يعد هو العنوان الصحيح الذي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يلجأ إليه المصريون لتحقيق مطالب الثورة‮.
 ‬ونتيجةً‮ ‬لهيمنة تلك القوى السكونية على البرلمان بمجلسيه،‮ ‬الشعب والشورى،‮ ‬باتت مؤسسة الرئاسة هي‮ ‬خط الحماية الأخير ضد قوى السكون‮. ‬ولهذا واصل د‮. ‬عبد المجيد تقييمه للمشهد المصري‮ ‬بالقول‮ "‬إن إيمان المرشح للرئاسة بالديمقراطية سيكون له أهمية أكبر في‮ ‬حالة مصر في‮ ‬السنوات المقبلة‮".‬ ‮ ‬ولم تعد النزعة السكونية لشاغلي‮ ‬معظم مقاعد المؤسسة التشريعية المصرية خافية‮. ‬فتبني‮ ‬كثير منهم لمطالب الثورة لم‮ ‬يعد‮ ‬يظهر بوضوح على أجندة أعمالهم بقدر ما تظهر عليها قضايا أخرى تلبس لوناً‮ ‬أيديولوجياً‮ ‬إسلامياً‮ ‬لا‮ ‬يتفق عليه كثير من المصريين،‮ ‬ولم تخرج الثورة في‮ ‬الأصل من أجله،‮ ‬وهي‮ ‬طريقة عمل تتناسب مع الفكر السكوني‮. ‬تستولي‮ ‬على مفاصل التغيير،‮ ‬ثم تشل حركتها،‮ ‬وهو أسلوب لن‮ ‬يقف عند حد الانتخابات التشريعية التي‮ ‬جرت،‮ ‬وإنما سيعبر عن نفسه من جديد في‮ ‬مواقف أخرى أقربها تشكيل اللجنة التأسيسية المنوط بها صياغة الدستور وعند كتابة الدستور نفسه،‮ ‬وهما معركتان لن تخوضهما القوى السكونية باسم الثورة،‮ ‬اللهم إلا تمحكاً،‮ ‬وإنما بثقل الأغلبية البرلمانية التي‮ ‬حازتها‮. ‬
والمؤسسات السكونية قد تعمل بمعزل عن بعضها لو تعارضت حساباتها،‮ ‬لكنها قد تعمل أحياناً‮ ‬بالتعاون مع بعضها لو اقتضت مصالحها‮. ‬ويربط عادةً‮ ‬بينها عقد‮ ‬غير مكتوب تتفق فيه على لجم مستوى التحول الديمقراطي‮ ‬إلى الدرجة التي‮ ‬لا تهدد ثقافة السكون‮. ‬وفي‮ ‬هذا الصدد لم‮ ‬يكن‮ ‬غريباً‮ ‬مثلاً‮ ‬ما جرى تداوله من تحليلات ربطت بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة في‮ ‬مصر والسياسة الأمريكية فيما‮ ‬يخص الإفراج عن المتهمين الأمريكيين في‮ ‬قضية التمويل الأجنبي‮ ‬لمؤسسات المجتمع المدني‮ ‬العاملة في‮ ‬مصر‮.
‬فالسياسة الأمريكية في‮ ‬المنطقة سياسة سكونية تسعى لتأبيد نفس القواعد القديمة التي‮ ‬كانت تتبعها مع مصر حتى بعد أن سقط مبارك‮. ‬ والمجلس العسكري‮ ‬بدوره مؤسسة سكونية،‮ ‬لم تكن جهة قضائية أو تنفيذية تجرؤ على اتخاذ خطوة بهذا الحجم دون الرجوع إليه،‮ ‬وقد تصرف المجلس بطريقة تؤكد أنه لم‮ ‬يتخلص من عقلية المؤسسة السكونية التي‮ ‬كانت تحكم العلاقات المصرية الأمريكية طيلة الفترة الماضية،‮ ‬وكأنه لا وجود بالمرة للثورة‮.‬
والشيء نفسه‮ ‬ينطبق على علاقة الإخوان المسلمين بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة،‮ ‬وتعد الأبرز في‮ ‬تحالف قوى السكون مع بعضها متى ما تسلمت إدارة الثورة‮. ‬فالإخوان تسلموا سلطة التشريع،‮ ‬والمجلس العسكري‮ ‬يقبض بقوة على سلطة التنفيذ،‮ ‬ويقوم تقريباً‮ ‬بنفس ما كانت تقوم به السلطة التنفيذية في‮ ‬النظام القديم من تدخلات تتعدى كثيراً‮ ‬صلاحيات السلطات الأخرى‮. ‬وقد بدأ التنسيق بين قوتي‮ ‬السكون منذ الأيام الأولى للثورة،‮ ‬ومازالت تجلياتها تتواصل‮. ‬فالإخوان على عكس هوى القوى الثورية قبلوا في‮ ‬معمعة الثورة الدخول في‮ ‬حوار مع عمر سليمان،‮ ‬ومن بعده مع المجلس العسكري‮. ‬ثم أنهم أيدوا مبدأ تعديل دستور‮ ‬1971 وليس إسقاطه كما كانت تطالب بذلك القوى الثورية،‮ ‬وكانوا أول من دعم الإعلان الدستوري‮ ‬الذي‮ ‬أصدره المجلس العسكري‮ ‬في‮ ‬30 مارس‮ ‬2011 برغم ما طرأ عليه من تعديلات لم‮ ‬يستفت عليها المصريون،‮ ‬كما كانوا في‮ ‬مقدمة من استجاب لمطالبة المجلس العسكري‮ ‬بعدم النزول في‮ ‬مليونيات،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن أنهم بعد القبض على‮ ‬غرفتي‮ ‬البرلمان بات تركيزهم‮ ‬ينصب على الترويج لشرعية البرلمان وكأنهم بقصد أو‮ ‬غير قصد في‮ ‬اتفاق مع المجلس العسكري‮ ‬على أن شرعية الميدان لم‮ ‬يعد لها وجود إن لم‮ ‬يكن الميدان أصبح خارجاً‮ ‬على الشرعية،‮ ‬وأهم من كل هذه العلامات أن قوى السكون تغفر لبعضها ما تريد عند الحاجة،‮ ‬ولهذا فقد أغمض المجلس العسكري‮ ‬عينيه عن تأسيس حزب سياسي‮ ‬للإخوان المسلمين مع أن الجماعة الأم التي‮ ‬انبثق عنها الحزب ما زالت،‮ ‬وفق قوانين إشهار الجمعيات،‮ ‬محظورة‮. ‬ ‮
‬هذا هو ما تفعله المؤسسات السكونية مع الثورات‮. ‬لا تقف في‮ ‬وجهها إذا كانت لا تستطيع،‮ ‬لكنها تتسلم رايتها متى استطاعت محاولةً‮ ‬بذلك أن تحافظ على ما أمكنها من الوضع القديم أو تحفظ لنفسها ما استحوذت عليه من حيز عام في‮ ‬ظل الوضع الجديد‮.  ‬
وإذا ما اضطرت قوى السكون إلى الخوض في‮ ‬غمار عملية التغيير فليكن ذلك عبر عملية إصلاح بطيئة وطويلة وليس بحرق المراحل وزيادة السرعة،‮ ‬ولكل هذا فالقوى والمؤسسات السكونية ليست أفضل من‮ ‬يقود التغيير،‮ ‬لكنها كثيراً‮ ‬ما تستطيع أن تتسلم رايته لو كانت الثورات بلا قيادة وتنظيم واضحين‮. ‬وبعض قوى السكون العربية،‮ ‬وهي‮ ‬تشارك الآن في‮ ‬إدارة المرحلة الانتقالية في‮ ‬بلدانها تقاوم التغيير الثوري‮ ‬المطلوب منها لأنها لا تزال وفية للتقاليد السياسية القديمة التي‮ ‬هبت الثورات العربية عليها،‮ ‬والبعض الآخر‮ ‬يبدأ في‮ ‬الحركة مع الثورة،‮ ‬لكنه‮ ‬ينفصل عنها حينما‮ ‬يجد أن سرعة التغيير المطلوبة منه لا تناسب فكره السكوني‮. ‬ ولا شك في‮ ‬أن الثورات العربية لا‮ ‬يزال أمامها أشغال شاقة وهي‮ ‬تتطلع لإنجاز مهمة التحول الديمقراطي‮ ‬الصعبة‮.  ‬
فكما أن عليها أن تطهر أوطانها من بقايا النظام القديم،‮ ‬عليها أيضاً‮ ‬مواجهة القوى السكونية العتيقة التي‮ ‬قد تمثلها البنى القبلية أو الطائفية أو المؤسسة العسكرية أو علاقة تبعية خارجية،‮ ‬وكلها بنى ذكية قدَّرت عند لحظة الانفجار الشعبي‮ ‬أن الأسلم لها أن تسير مع الثورات لا ضدها حتى تهدأ فتبدأ أفاعيل الفكر السكوني‮ ‬في‮ ‬محاصرتها لتبردها أو تشتتها أو تنهكها‮. ‬ويستطيع المرء أن‮ ‬يفهم بسبب تلك القوى السكونية القوية والنافذة لماذا‮ ‬أن عمر الاستبداد في‮ ‬المنطقة العربية قرون بينما عمر الديمقراطية فيها بضع دقائق،‮ ‬وهذا ليس مدعاة لليأس،‮ ‬وإنما إشارة إلى أن التصدي‮ ‬لقوى السكون لن‮ ‬يكتمل من ثورة واحدة وإنما سيحتاج إلى موجات من المجاهدة الديمقراطية‮. ‬فحتى لو وقعت بعض الثورات العربية في‮ ‬يد قوى سكونية ستبقى محاولات التحول الديمقراطي‮ ‬تتكرر لسبب بسيط،‮ ‬وهو أن الديمقراطية هي‮ ‬التطور الطبيعي‮ ‬للإنسان‮.
 ‬د‮. ‬إبراهيم عرفات*;أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة


ليست هناك تعليقات: