نواب الإخوان والسلفيين يسعون للسيطرة
على الأجهزة الحكومية
طريق خطير يعيد سيرة مجالس الحزب الوطنى المنحل.
طريق خطير يعيد سيرة مجالس الحزب الوطنى المنحل.
■ فى اللجنة الاقتصادية وزير الصناعة يعرض على النواب المشاركة فى عضوية لجنة تحديد الأسعار والنواب يوافقون.. الإخوان يسعون للسيطرة على جهاز المنافسة.
■ اللائحة الداخلية للمجلس تحظر على الأعضاء عضوية مجالس الإدارات.
ارتكب نواب مجلس الشعب الكثير من الاخطاء اللائحية والقانونية والدستورية. البعض مصمص شفاهه حسرة ولسان حاله يقول (هم دول نواب مجلس الثورة). وآخرون تعاطفوا مع النواب المستجدين. وطلبوا منحهم فرصة للتعلم والتدرب على وظيفة النواب. بعض الاخطاء يمكن التعاطف معها. ولكن هناك أخطاء تدخل فى باب الخطايا. ولا يمكن السكوت عنها.
أى علاقة بين النواب والحكومة يجب ألا تخرج عن حدود القانون والدستور.
وعلى رأس هذه القواعد ضمان حيدة النواب وعدم استفادتهم أى استفادة مادية أو معنوية من الحكومة وشركاتها وأجهزتها ولجانها. فالقاعدة الذهبية أن النائب الذى يراقب الحكومة نهارا لا يمكن أن يعمل لديها أو يتقاضى منها مكافأة فى المساء.
وحتى فى ظل برلمانات سيطر عليها الحزب الوطنى لم يستطع المجلس أن يفلت من هذه القاعدة.
واضطر نحو 22 عضوا بالمجلس الاستقالة من عضوية مجالس إدارات شركات قطاع أعمال، وذلك بعد تفجر فضيحة عضويتهم فى مجالس ادارات هذه الشركات فى مجلس عام 1995.
فالعلاقة بين النواب وهذه الوظائف مقطوعة بحكم القانون واللائحة. ولتحقيق الحياد التام للنواب يحصل النواب من موظفى الحكومة على تفرغ من العمل الحكومى طوال عضويتهم بالمجلس. تصوروا أن مجلس الثورة أو بالأحرى بعض نوابه يضربون بهذه القواعد عرض الحائط. ويضحون فى حبال العلاقات الحكومية. وقد شهد الاسبوع الماضى واقعتين من هذا النوع المؤسف والمؤذى لقاعدة الفصل بين السلطات. الواقعة الاولى جرت فى اجتماع اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب يوم الاحد الماضى. الاجتماع كان مخصصا لبحث ارتفاع اسعار الاسمنت. وحضر الاجتماع وزير الصناعة الدكتور محمود عيسى.
وتطرق الاجتماع اثناء مناقشة طلبات الاحاطة إلى ضرورة تسعير الغاز والكهرباء بالمصانع بالسعر العالمى. وعرض وزير الصناعة ببراءة تامة أن يشارك السادة النواب مقدمى طلبات الإحاطة فى أعمال اللجنة التى تقوم بالتسعير.
وقبل نهاية الاجتماع طلب أحد مقدمى طلبات الاحاطة تعديل الطلب. تصورت بغباء تام أن النائب سيرفض مشاركة النواب فى لجنة وزارية حكومية.
فهذه أبسط قواعد الفصل بين السلطة التنفذية والسلطة التشريعية، ولكننى فوجئت بأن النائب يطالب بألا تقتصر مشاركة النواب فى اللجنة الوزارية على مقدمى طلبات الاحاطة فقط، واقترح النائب أن يشارك اعضاء من اللجنة الاقتصادية.
ويبدو أن رئيس اللجنة الاستاذ طارق الدسوقى (سلفى) قد استشعر أن هناك مشكلة ما، فقال موجها كلامه لوزير الصناعة «مش عايزين الصحافة تطلع تقول إن فيها نواب فى اللجنة» ولم افهم هل رئيس اللجنة معترض على المبدأ أم معترض فقط على معرفة الصحافة به.
الوزير من ناحيته كان متعاونا جدا وهز رأسيه مؤمنا على كلام رئيس اللجنة. بافتراض حسن النوايا وان الغرض من المشاركة البرلمانية فى اللجنة الوزارية لم يكن الغرض منه الاستفادة من بدل حضور اللجنة.
وان دافع الاقتراح الشاذ هو دافع وطنى بحت، ومرجعه حماس النواب، فإن السؤال المهم هو إذا أصبح بعض النواب اعضاء فى اللجنة الوزارية فكيف سيراقب النواب اعمال اللجنة؟
وكيف نضمن الحياد فى اعمال الرقابة البرلمانية إذا اختلط الحابل بالنابل؟ اختلاط الحابل بالنابل، واختلاط الحكومة بالمجلس ظهر مرة اخرى فى واقعة لاتزال فى كواليس اللجان. وهذه الواقعة اخطر واضل سبيلا. فقد تقدم خمسة نواب الإخوان من حزب الحرية بتعديل قانون المنافسة ومنع الاحتكار. وقانون المنافسة يحتاج بالفعل إلى تعديل خاصة أن هذا القانون تلاعب به إمبراطور الحديد والحزب الوطنى أحمد عز. وقد حرصت تعديلات القانون على إصلاح ما أفسده عز فى آخر تعديل للقانون فى عام 2009.
وقد منح النواب فى مشروع قانونه لمجلس الشعب وحده اختيار رئيس الجهاز واثنين من مجلس ادارته، وهو الأمر الذى يمهد لسيطرة المجلس على الجهاز، وربما تصور النائب أن هذا التعيين البرلمانى يمنح جهاز المنافسة استقلالا عن الحكومة. ولكن النائب تجاهل أن مثل هذا الاقتراح يعيق مجلس الشعب عن دوره الرقابى. لأنه يجعل مجلس الشعب مسئولا عن تعيين مجلس الإدارة، والاصل فى اعمال مجلس الشعب أن يراقب الحكومة فى اختيارها لمجالس الادارات العامة.
واذا كان الغرض من هذا الاقتراح أن نضمن استقلال جهاز منع الاحتكار على الحكومة، فالاولى بنا أن نجعل تعيين رئيسه من اختصاص مؤسسة الرئاسة أو رئيس الحكومة على الاقل. وان نشترط ألا يفوض رئيس الحكومة اختصاص الاشراف على الجهاز لاحد الوزراء.
بحيث تكون تبعية الجهاز لرئيس الحكومة حقيقية، وليست مجرد مادة فى القانون مثل الوضع فى نظام مبارك. فقد فوض رئيس الحكومة أحمد نظيف وزير التجارة والصناعة رشيد محمد رشيد فى الإشراف على الجهاز. إذا كانت استقلالية جهاز منع الاحتكار وبقية الاجهزة الرقابية واجبًا، فإن ضمان استقلال مجلس الشعب ونوابه فريضة. وقد كان عدم الفصل بين الحكومة ومجلس الشعب فى نظام مبارك هو أحد أهم ابواب الفساد.
وتاريخ المجالس السابقة أو بالأحرى فضائحه يؤكد هذه الفريضة. ففى فضيحة شركات قطاع الاعمال فى مجلس 1995 اكتشفنا أن رؤساء لجان برلمانية قبلوا التعيين فى مجالس إدارات شركات يقومون بمراقبة اعمالها. اى أن رئيس اللجنة كان يراقب أو بالاحرى يجامل سياسات شارك فى صنعها. من بين هؤلاء النواب رئيس اللجنة الاقتصادية السابق عبدالله طايل، وكانت اللجنة الاقتصادية ولا تزال هى اللجنة المسئولة عن رقابة شركات قطاع الاعمال.
وكان هشام طلعت مصطفى رئيس لجنة الاسكان بالشورى، صاحب واحدة من اكبر الشركات العقارية. وفى مجلس الشعب الاخير كان امبراطور الحديد احمد عز يترأس لجنة الخطة ويدير ملفات الضرائب والاعفاءات الضربية. وقد كانت كل تقارير لجنته تدعو إلى إلغاء الاعفاءات الضريبية. ولم يتوقف الكثيرون عند إصرار عز على الغاء الاعفاءات. فكبار رجال الاعمال كانوا يريدون الغاء الاعفاءات التى تمتعوا بها حتى لا يستفيد رجال اعمال آخرين بهذه الميزة، وبالتالى لا يستطيعون منافسة امثال عز من الكبار فى اهل البيزنس. وفى كل الحالات السابقة وغيرها دفع المواطن ثمنا باهظا وفادحا. وتراكمت الثروات فى ايدى حفنة من رجال الاعمال. واذا كانت المجالس السابقة تخلط الحابل بالنابل عن عمد، واذا كان نوابها يسقطون الحواجز بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية عن قصد، فإن نواب مجلس ما بعد الثورة يجب أن يبتعد عن هذا الخلط بمنتهى السرعة والشفافية.
فالطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة. ولا يجب أن نترك حسن النواب الجدد أو عدم خبرتهم بالقواعد يجرجرهم إلى طريق خطير أو نعيد سيرة مجالس الحزب الوطنى المنحل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق