..نســبة العمــال والفلاحــين..
ضررها أكثر من نفعها

مازلت مقتنعاً برأيي أن نسبة الخمسين بالمائة عمال وفلاحين تضر بالوطن.. وبالبرلمان، وحتي المجالس الشعبية المحلية في المحافظات.. بل أري هذه النسبة - وفي هذه الفترة الانتقالية بالذات - لن تنتج لنا برلماناً يملك حق الرقابة الفعلية علي أعمال الحكومة.. أو يؤدي دوره التشريعي كما يجب.
واللافت للنظر أن هذه النسبة تشترط ألا يقل عدد العمال والفلاحين معاً عن نسبة 50٪.. ولكنهم دائماً ما يتجاوزون هذه النسبة فتفوق نسبتهم نسبة الفئات في البرلمان.. وبعيداً عن دستورية أو عدم دستورية هذا النص أقول إن النتائج النهائية دائماً ما تكون في صالحهم.. وعلي حساب الفئات.
مثلاً حصل حزب الوفد علي 38 مقعداً في مجلس الشعب الجديد.. ولكن هل يعلم الناس أن العمال والفلاحين هي حوالي ضعف عدد الفئات إذ منهم 25 نائباً من العمال والفلاحين بينما 13 نائباً فقط من الفئات وفي هذا ظلم للفئات.. رغم ان الوفد طوال عمره السياسي وبالذات منذ قاد ثورة 19 كان يسمي أو يعرف بأنه حزب أصحاب الجلالبيب الزرقاء أي حزب الفلاحين.. لان الفلاح كان غالباً ما يرتدي جلباباً أزرق اللون.. وحصل الوفد علي هذا اللقب دون أي نص في الدستور أو في شرط دخول البرلمان.. وكان هو حزب عمال العنابر الذين قاموا بدور رائع في ثورة 19.
بل - ربما - لا يعرف الشعب الآن أن معظم انجازات حزب الوفد فيما قبل ثورة يوليو 1952 كانت لصالح العمال والفلاحين.. وعودوا الي التشريعات لتتأكدوا مما أقول وأكتب.. وأيضاً فعل الوفد ذلك دون التزام دستوري.. ولكن إيماناً منه بأن العمال والفلاحين كانوا من الفئات المهضومة حقوقهم.. ولذلك انحاز الوفد اليهم.. قبل أي فئة أخري.
فالوفد هو صاحب كل التشريعات العمالية بداية من تكوين النقابات الي تحديد ساعات العمل الي رفع مستوي الاجور.. بل هو صاحب فكرة انشاء وزارة للشئون الاجتماعية.. وهو أيضاً صاحب فكرة ديوان المحاسبة الذي يراقب التصرفات المالية للحكومة وجهازها.. وأيضاً فعل الوفد ذلك دون نص دستوري يلزم بنسبة معينة في البرلمان للعمال والفلاحين.
ولنا أن نتخيل برلماناً تزيد فيه نسبة العمال والفلاحين علي نصف الاعضاء.. بينما نحن الآن مقبلون علي عملية تشريعات عديدة جديدة أو اعادة نظر فيما هو موجود من تشريعات، فهل يكون البرلمان قادراً علي ذلك وفيه النسبة الاعلي ممن «يفكون الخط» فقط لا غير؟!.
ولنا أن نتصور أن حزباً يفترض فيه القدرة علي هذا الدور التشريعي بينما نسبة العمال والفلاحين هي حوالي ضعف عدد نواب الفئات
وأيام عبدالناصر ارتكبت أخطاء عديدة منها هذه النصوص.. ومنها أيضاً تركيز عدد كبير من المصانع كثيفة العمالة حول القاهرة الكبري من التبين وحلوان جنوباً حتي القاهرة.. وتحولت شبرا الخيمة كلها الي منطقة للمصانع في شمال القاهرة.. ليكون عمال هذه المصانع هم القوة التي تحمي النظام فتتحرك سياراتهم تحمي النظام، وقد تعلم عبدالناصر مما حدث من مظاهرات عمال النقل المشترك بقيادة الصاوي خلال أزمة مارس 1954، وهم الذين هتفوا بسقوط الديمقراطية واعتدوا علي الدكتور السنهوري رئيس مجلس الدولة!! وقد سادت دولة اللاقانون من يومها.
واستغل النظام هذا النص منذ سنوات للإطاحة برموز المعارضة في البلاد، ومازلت أتذكر الجريمة التي ارتكبها نظام حسني مبارك للإطاحة بالمستشار ممتاز نصار زعيم المعارضة الوفدية الذي نجح بأغلبية الاصوات ولكنهم لعبوا بلعبة نسبة العمال والفلاحين.. وأسقطوا الرجل النزيه فمات كمداً.
وغير هذا المثال كثير.
ففي الانتخابات الاخيرة وبسبب لعبة أو نسبة العمال والفلاحين رأينا كيف تمت الإطاحة بعدد من رموز المعارضة الوفدية مثل فؤاد بدراوي سكرتير عام حزب الوفد، الذي نجح علي رأس القائمة.. ثم أعلنوا إسقاطه، وليس سقوطه.. ثم قالوا: ناجح.. وأخيراً استقروا علي ضرورة إسقاطه.. ليبعدوا سكرتير عام الوفد عن رئاسة الهيئة البرلمانية الوفدية في المجلس.
وكذلك - وبنفس لعبة المعامل الانتخابي - تم إبعاد يس تاج الدين القطب الوفدي الكبير وهو من أكبر عائلات الصعيد الجواني.. وكادوا أيضاً يطيحون بالدكتور محمود السقا، وهو الذي أثبت قدرة رائعة علي ادارة جلسة الاجراءات في المجلس الجديد.
حقيقة هناك إيجابيات جديدة وكثيرة في المجلس الجديد.. منها ارتفاع نسبة المصوتين أي المشاركين في الانتخابات الي 54٪ ممن لهم حق التصويت. وهي نسبة لم تحدث منذ آخر انتخابات تمت تحت ظلال الدستور 1923، في يناير 1950.
ولكن لاننا نحلم ببرلمان حقيقي ينقي الحياة البرلمانية في مصر ويصحح مسار حياتنا الرقابية ويكون قادراً علي أن يقول لا للحكومة لا أن يصفق ويوافق علي كل ما تريده الحكومة.. وهنا أتذكر أن البرلمان الوفدي - ذا الاغلبية الوفدية - وقف ضد مشروع قانون تقدم به نائب وفدي.. وأسقط هذا البرلمان الوفدي.. هذا المشروع الوفدي.<
<< ولكن أين نحن الآن من هذا العصر العظيم؟!.
إكتشاف نهر في الوادي الجديد يساوي نهر النيل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق