الخميس، 18 أغسطس 2011

ما دام الشعب يريد أن يرحل الرئيس فليرحل



ليلة قرر فيها الجيش ..« يا يمشي مبارك يا نمشيه »
لقد حان الوقت لنلقي بأنفسنا إلي اليم
 مهما كانت المخاطر فلا يعرف البحر من لا يلتحم بالأمواج
شعر العسكريون بأن هناك مشاهد قد تتسبب في انهيار الدولة
... فانحــازوا للشــعب ...
مبارك طلب شهــادة المشير في قضية قتل المتظــاهرين
 متصـوراً أن في الشهادة فتنـة
مرت 6 أشهر من الفشــل تضاعفت فيهــا المتاعب 
إلي حد إظلام الطريق إلي المستقبل


http://www.hournews.net/upload/pr-2-2123.jpg

لم يغير المشير حسين طنطاوي سيارته الرسمية السوداء التي يزيد عمرها علي ثلاثين سنة ولا يقبل بموكب من سيارات حراسة مرافقة تفتح له الطريق ولا يجرؤ سائقه علي تجاوز الإشارة الحمراء بل عليه انتظار إطفائها كي يعبرها مثله مثل غيره من المواطنين
ويسهل علي من يسكن في طريقه مثلي أن يراه في سيارته وهو يمر بهدوء دون جلبة نعاني منها في مواكب الوزراء وزوجاتهم أحيانا وهم يجيئون ويذهبون دون مبالاة بشل حركة الحياة
وعندما نزل المشير إلي ميدان التحرير في ذكري حرب رمضان لم يصطحب معه كاميرات مستعدة أو حراسات مستفزة فسلوكه الشخصي علامة علي ضبط النفس وربما كان السبب تأثره بجمال عبدالناصر وإيمانه به فقد وقف ضد التوريث والخصخصة وقال في اجتماع شهير لمجلس الوزراء أيام أحمد نظيف فاضل تبيعوا الشعب المصري
وفي لحظة اختيار صعبة وحرجة انحاز للناس في بلاده وبدأ بنفسه العد التنازلي لوجود مبارك في السلطة فما دام الشعب يريد أن يرحل الرئيس فليرحل لكن ساعات طويلة من المعاناة سبقت الرحيل توقفت فيها أنفاس التاريخ تماما
كان قد تقرر أن يغادر مبارك القصر الجمهوري يوم الخميس فبراير ونزل اللواء حسن الرويني قائد المنطقة المركزية إلي ميدان التحرير وصعد إلي منصة حمدي الوزير ليعلن بنفسه أن كل مطالب المتظاهرين استجيبت في إيحاء لا يخطئه أحد بأن الرئيس سوف يتنازل عن السلطة ثم جلس في غرفة متواضعة بالمتحف المصري أمام تليفزيون صغير ينتظر بيان التنحي لكن انتظاره طال فقد دخلت سوزان علي الخط وأصرت علي أن يبقي زوجها في موقعه فخرج بيان الرئيس مخيباً للتوقعات المحسومة
في الوقت نفسه كان المجلس العسكري يتلقي اتصالات من وزير الدفاع الأمريكي ورئيس أركانه يسألان ما الذي حدث؟ ويخشيان من نفاد الصبر الذي قد ينتهي بانقلاب عسكري صريح فقد كان القرار الذي اتخذ يا يمشي يا نمشيه فلم يعد الموقف يحتمل الانتظار خشية أن يفقد ضباط في الشارع قدرتهم علي ضبط النفس خاصة أن بعضا من عرباتهم المصفحة قد حرقت وبعضا من جنودهم قد تعرضوا لاستفزاز يصعب احتماله

جرت اتصالات مكثفة ومتكررة بين منتصف الليل وصباح اليوم التالي انتهت بأن قال الرئيس للمشير شيلها لكن رجلا عسكريا منضبطا مثل المشير كان يريد أن يعرف بالضبط ما المقصود بكلمة شيلها فاتصل بنائب الرئيس عمر سليمان طالبا منه الحصول علي معني محدد لــ شيلها وبعد قليل كان النائب يؤكد أن مبارك سيرحل إلي شرم الشيخ وسجل عمر سليمان بيان التنحي ــ الذي صاغه المستشار فاروق سلطان رئيس المحكمة الدستورية العليا ــ في إحدي طرقات مبني المجلس العسكري لكن البيان لم يذع إلا بعد أن وصل الرئيس السابق إلي قصره في منتجع الجولف وأخذ حماما وجلس امام التليفزيون يشاهده بنفسه
كانت تلك الليلة من الليالي الطوال التي مرت بمصر لكنها كشفت عن قدرة العسكريين في ممارسة الضغوط المناسبة ولو كان ذلك علي الرئيس نفسه علي أن قدرتهم علي إدارة شئون البلاد فيما بعد لم تكن بنفس الموهبة وهو ما سبب خلافا حادا بينهم وبين فصائل من الثوار ينتمون لحركة أبريل وكفاية والجمعية المصرية للتغيير المساندة للدكتور محمد البرادعي وصل إلي تقديم بلاغات متبادلة للنائب العام
لقد شعر العسكريون بأن هناك مشاهد متتالية يمكن أن تحدث فوضي تتسبب في انهيار الدولة منها التهديد بإيقاف الملاحة في القناة وقطع طرق رئيسية مختلفة وحصار ميناء العوجة والمسيرة المتجهة لوزارة الدفاع والاعتصام أمامها وكان التصور أن الذين أسقطوا الشرطة في عيدها يناير يستهدفون القوات المسلحة في عيدها يوليو أيضا فما الذي سيبقي متماسكا بعد ذلك؟
في الوقت نفسه تطوع السلفيون بالنزول إلي التحرير كي يتصدوا لمن يسيطر علي الميدان ويتشبث بالبقاء فيه وبرزت اللحي ورفعت المصاحف وصرخت الحناجر وانقسمت التنظيمات ودخلت الحرب الدينية مرحلة أخري انتقلت من مواجهة مسلمين لمسيحيين إلي مواجهة مسلمين لمسلمين
وفي الليلة نفسها تعرضت منطقة شمال سيناء إلي غزوة جهادية مسلحة من تنظيمات متطرفة تنتمي للقاعدة والتكفير والهجرة وغيرهما مستغلة كراهية القبائل للنظام السابق بعد أن نكل بشيوخها وأهان شبابها وتجاوز مع نسائها ومع وفرة السلاح المتطور ضد الأفراد والمدرعات بدا أن خطة إسرائيل الشهيرة قد حان تنفيذها
إن تلك الخطة تسعي إلي أن يقيم الفلسطينيون دولتهم في أرض ممتدة بين غزة والعريش مقابل التنازل عما لديهم في الضفة الغربية علي أن تعوض مصر بأرض بديلة في النقب وما أثار القلق وجود مئات من ضباط وجنود محمد دحلان في العريش وما اثار الدهشة أن تلعب التنظيمات الإسلامية المتشددة ــ ومنها كتائب القسامِ دورا يصعب تجاهله في تنفيذ الخطة
مشاهد سوداء سيئة مؤلمة تهدد مصر بإلقائها من الهاوية لتسقط مفتتة ضعيفة في حجر تيارات ظلامية تعود بها إلي عصر ما قبل الدولة وهو ما يجعلنا نضع ثلاثة أسس يجب أن تكون قاعدة للبناء القادم
أن تسترد العلاقة بين الجيش والشعب تماسكها وترابطها وحيويتها فلا أحد يحتمل ما ينجم عن التوتر بينهما فالمؤسسة العسكرية لاتزال القوة الوحيدة القادرة علي التدخل في الوقت المناسب كي تحافظ علي تماسك الوطن ووحدته وسلامته ولا يجوز وضعها في حرج بين مسئوليتها وشعبيتها خاصة أن مبارك نفسه سعي إلي هذه الوقيعة بطلب المشير للشهادة في قضية قتل المتظاهرين متصورا أن الشهادة ستؤدي إلي فتنة
وحسب ما عرفت فإن مبارك لم يصدر أمرا مباشرا بإطلاق النار لكنه طلب من الجيش التعامل مع المتظاهرين دون أن يحدد بالضبط كيف يكون هذا التعامل لكن حسب التفسير العسكري للكلمة فإنها تعني إطلاق النار وإن كان ذلك لم يحدث
ضرورة الحفاظ علي سيناء ممن يريدون قطعها وفصلها وعزلها عن مصر وإلا انتشرت عدوي التقسيم إلي مناطق أخري وشهدت العريش أول تعاون حقيقي بين أجهزة الأمن المختلفة المخابرات العامة والمخابرات الحربية وجهاز الأمن الوطني في لجنة مشتركة يرأسها محافظ شمال سيناء وفي الوقت نفسه نقلت طائرات هليكوبتر أفراداً من الصاعقة الجيش وأفراداً من فرقة مكافحة الإرهاب الشرطة انضموا إلي نحو خمسة آلاف جندي وصلوا إلي شمال سيناء لمواجهة نحو ألف مسلح يريدون فرض إرادتهم هناك بالقوة
لكن الأهم أن المؤسسة العسكرية قررت تنفيذ خطة تنمية سيناء فالأمن يبدأ بالزراعة وستكون البداية إنشاء خمس قري يستقر فيها البدو الرحل ويمولها الجيش من صناديق الأنشطة الاستثمارية المختلفة
علي أن الأهم هو إرسال لجنتين إلي شمال وجنوب سيناء للتفاهم مع القبائل حول أسباب ما يجري فالعلاج يبدأ بالتشخيص
وفي حالة السيولة السياسية التي فرضت انفلاتا أمنيا وتجاوزا اجتماعيا وضعفا اقتصاديا بدا أن تنفيذ برنامج تسليم السلطة يجب ألا يتأخر أكثر من ذلك، وإلا تضاعف الثمن الفادح الذي ندفعه الآن علي حساب مستقبل مضطرب ومجهول
لقد انتقلت أصوات شعبية متزايدة من الفرح بالثورة إلي النقمة عليها وسمعنا من يدافع عن فساد نظام مبارك بدعوي أنه تميز باستقرار وتشغيل وأمان ولو اكتفي بترك فتات للشعب لم يعد يجدها أحد
لقد مرت ستة أشهر من الفشل والخلل تضاعفت فيها المتاعب إلي حد إظلام الطريق إلي المستقبل فتكرر بإلحاح سؤال سبق أن فرض نفسه في سنوات الحكم الأخيرة للمبارك مصر رايحة علي فين؟ وما ضاعف من أهمية السؤال أن علي رأس من ينطقون به المثقفين والسياسيين والمفكرين ممن عليهم إرشادنا إلي الطريق
ليس هناك توافق علي شيء بين الجماعات والتيارات والائتلافات التي لا يعرف أحد لها رأساً من قدم الخلافات حادة بينها حول المبادئ الدستورية وقانون مباشرة الحقوق السياسية وصلاحيات المؤسسة العسكرية وتوقيت الانتخابات البرلمانية ولو تركت الأمور لما هو عليه فإن الخلافات ستتضاعف بمرور الوقت خاصة أنه تكاد لا توجد دولة خارجية واحدة لا تضغط لتأجيل البرنامج السياسي الذي يبدأ تنفيذه يوم سبتمبر بفتح باب الترشح للانتخابات التشريعية وربما جاءت الأمم المتحدة ممثلة في أمينها العام علي رأس القوي الضاغطة
إن وقوع البلاء ربما يكون أفضل من انتظاره فلو بقينا علي ما نحن عليه فلن نصل إلي نهاية سلمية سنجد أنفسنا محاصرين ببلطجة تحرض تياراً عاماً من الجياع علي النهب والسلب، وسلفية تواجه الظلم السياسي بفرض القهر الاجتماعي، وليبرالية تسعي لغيرها دون أن تتوقف لتقييم نفسها، وسلطة عسكرية قد تجبر في النهاية علي ضبط البلاد ولو بقوتها البدنية
لقد حان الوقت لنلقي بأنفسنا إلي اليم مهما كانت المخاطر فلا يعرف البحر من لا يلتحم بالأمواج ويصارع الأنواء ويشتبك مع العواصف


؛؛؛؛ مصـــر الـيـــوم ؛؛؛؛



ليست هناك تعليقات: