... من الخــديوي سعيد إلى الخــديوي عبد الفتاح ...
.. كيـف تفكّــك الاقتصــاد المصــري؟ ..
قصــة الاقتصــاد المصــري
... من عهـد محمد علي إلى عهــد مبارك ...
.. كيـف تفكّــك الاقتصــاد المصــري؟ ..
قصــة الاقتصــاد المصــري
... من عهـد محمد علي إلى عهــد مبارك ...

كتاب "اعترافات قاتل اقتصادي: الاغتيال الاقتصادي للأمم"
.. للخبير الاقتصادي "جون بركنز"..
يقول جلال أمين في معرض المقارنة
.. بين أنور الســـادات والخــديوي إسمـاعيـل ..
.. للخبير الاقتصادي "جون بركنز"..
يقول جلال أمين في معرض المقارنة
.. بين أنور الســـادات والخــديوي إسمـاعيـل ..
..."لا يمكن لأحد يعيش في الثمانينيات من القرن العشرين، إذا شرع في قراءة تجربة مصر في التورط في الديون في عهد الخديوي إسماعيل، ألّا يُصاب بالدهشة، إذ يرى أوجه الشبه الصارخة بين تجربة الستينيات والسبعينيات من القرن التاسع عشر، وتجربة السبعينيات من القرن العشرين.
إن التاريخ لا يمكن أن يُعيد نفسه بالضبط، وهناك بالطبع من أوجه الاختلاف ما لا يُمكن إنكاره… ولكن ما معنى الكلام عن "دروس التاريخ"، بل ما فائدة قراءة التاريخ أصلا؟، إن لم يكن هناك بعض الصدق في القول إن التاريخ يُعيد نفسه".....
أثناء حضوره افتتاح مصنعَيْ الغازات الطبية والصناعية التابعين لشركة النصر للكيماويات الوسيطة فى منطقة أبو رواش بمحافظة الجيزة، في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن برنامج الطروحات الحكومية في البورصة المصرية سيشمل شركات تابعة للقوات المسلحة، الأمر الذي سيفتح الباب أمام المواطنين والقطاع الخاص لتملّك أسهم في هذه المؤسسات، وهو ما سيفتح الباب بالضرورة أيضا لبيع تلك الأسهم والشركات للمستثمرين الأجانب.
تستدعي تصريحات الرئيس المصري الحالي، التي تُلقي بعض الضوء على جانب من المصير المنتظر لاستثمارات المؤسسة العسكرية المصرية التي توسع نشاطها في الاقتصاد المصري بشكل غير مسبوق في السنوات الماضية، ذكريات عن احتكارات محمد علي باشا الاقتصادية، التي تفككت في نهاية حكمه، ومن ثم وقع الاقتصاد المصري في قبضة حملة السندات والأسهم من الأجانب الأوروبيين في عهد ابنيه سعيد وإسماعيل، وذكريات لاحقة أخرى عن القطاع العام الكبير الذي دشّنه الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر، والذي تفكك إلى حدٍّ بعيد عبر إتباع الحكومة المصرية لسياسة الخصخصة لا سيما في العقد الأخير من عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، وانتقلت ملكيته بنهاية المطاف إلى القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب كذلك.
فكما يقول الباحث والأكاديمي المصري الراحل نزيه الأيوبي في كتابه "الدولة المركزية في مصر" في معرض مقارنته بين تجربتي محمد علي وعبد الناصر: "يبدو أن التاريخ يُعيد نفسه، وأننا نمر "بدورة" جديدة أو "حركة بندول" جديدة".
الدولة المركزية في مصر، نزيه الأيوبي .
فقصة انهيار الاقتصاد المصري هي قصة وقوعه في أيدي المستثمرين الأجانب مرتين: الأولى في عهد أبناء محمد علي باشا وأدّت إلى الاحتلال البريطاني لمصر، والثانية في عهد جمهورية يوليو وأدّت إلى وصول الدولة المصرية إلى حافة الإفلاس الرسمي، قبل أن ينتهز الرئيس الأسبق فرصة حرب الخليج الثانية ليُرسل الجيش المصري مقابل إسقاط نصف ديون مصر وإعادة جدولة النصف الثاني وفقا لشروط صندوق النقد الدولي. أما هذه المرة فإننا فقط أمام أسماء جديدة للمراكز القانونية والسياسية نفسها للاعبين القدامى تقريبا، ففي هذه الدورة الراهنة التي يبدو أنها تُمثِّل نموذجا تكراريا لما تحدّث عنه نزيه الأيوبي من قبل، يتوقّع أن تتسرّب الهيمنة على الاقتصاد المصري من قبضة المؤسسة العسكرية المحتكرة للعديد من أوجه النشاط الاقتصادي في الوقت الراهن، لتنتهي في أيدي المؤسسات المالية الأجنبية، وفي أيدي كذلك طبقة من الأثرياء الجدد ستنشأ على الأرجح من داخل النخبة البيروقراطية أو الصفوة الرسمية المصرية، كما حدث خلال عهد حكم أبناء محمد علي، وأثناء حكم الرئيسين المصريين مبارك وأنور السادات.من قبضة الباشا إلى يد حَمَلَة الأسهم الأجانب.. نشأة الاقتصاد المصري الحديث يؤرّخ نزيه الأيوبي لبداية رأسمالية الدولة في مصر منذ عهد محمد علي باشا، العهد الذي شهد ذوبان الهيكل الاجتماعي المصري التقليدي، المكوّن من العصبيات العائلية الريفية والقبلية ومن الطوائف الحرفية والتجارية والأوقاف الخيرية والملل الدينية للأقليات غير المسلمة والطرق الصوفية، وأُعيد تقسيم البلاد إلى مديريات يرأسها مديرون خاضعون بالكامل إلى المركز السياسي في القاهرة بدلا من القادة المماليك في العصر السابق، الذين أنهى محمد علي نفوذهم بمذبحته الشهيرة في القلعة في عام 1811م.
... بعدما أصبح محمد علي ...
المالك الوحيد لأراضي البلاد،
والتاجــر الوحيـــد لحاصلاتهــا الزراعيـــة
أضحى الأخير أيضا هو المحتكر الوحيـد
للصناعة لمنع المماليك من استعادة قوتهــم،
من خلال ما كانوا يحصلون عليه من أموال
مقابل تحصيلهم للضرائب المفروضة من الباب العالي في الأستانة
... أَمَّم محمد علي جميع الأراضي الزراعية في البلاد ...
وأجبر الفلاحين الذين كانوا يتمتعون بحق الانتفاع على الأرض على بيع محاصيلهم إليه بأسعار منخفضــة،
ثم يُعيد محمد علي بيع المحاصيل والغـــلال
وأجبر الفلاحين الذين كانوا يتمتعون بحق الانتفاع على الأرض على بيع محاصيلهم إليه بأسعار منخفضــة،
ثم يُعيد محمد علي بيع المحاصيل والغـــلال
إلى الســوق الداخلي والخــارجي بأسـعار أعـلى.
... تسلسل نظــام الاحتكـــار ...
بدءا من تملُّك محمد علي باشا معظم الأراضي الزراعية، وإلغاء نظام الالتزام واسترداد أملاك الملتزمين، وإلغاء معظم الأوقاف، ثم امتد الاحتكار إلى الحاصلات الزراعية، ومن ثم أصبح الفلاح المصري لا ملكية له على الأرض أو حتى ما تُنتجه. وانتقل مبدأ الاحتكار بعد ذلك من الزراعة والتجارة إلى الصناعة، فبعدما أصبح محمد علي هو المالك الوحيد لأراضي البلاد، والتاجر الوحيد لحاصلاتها الزراعية، أضحى الأخير أيضا هو المحتكر الوحيد للصناعة.[1] وجَّه محمد علي شطرا كبيرا من الأرباح التي حقّقها من احتكاراته الزراعية والتجارية في بناء الصناعات، بدءا من من صناعة النسيج وصولا إلى صناعة الأسلحة، وكانت الصناعة في هذا الإطار مملوكة للدولة بالكامل، ومحمية من الدولة، كصناعة النسيج التي حماها محمد علي من خلال حظر استيراد المنسوجات البريطانية الرخيصة.
[2] رغم المشاريع الضخمة التي قام بها محمد علي باشا، مثل الخزانات والسدود ومشاريع الري، وبناء المصانع، والتوسُّع في التعليم والصناعات وإرسال البعثات الدراسية إلى الخارج، وبناء جيش قوي وأسطول مصري كبير، فإن الأخير لم يسمح لنفسه قطّ بالتورط في الديون الخارجية، فحين كان يحتاج إلى المزيد من الأموال لتمويل حملاته العسكرية في السنوات الصعبة من الناحية الاقتصادية، كان يستغني عن الواردات غير الضرورية، ويُجبر التجار الأجانب على دفع قيمة مشترياته منه مُقدَّما.
[3] وعندما كان يعجز الباشا عن دفع مرتبات موظفيه، فإنه يعطيهم بدلا منها سندات على الحكومة يقومون بخصمها لدى التجار أو بعض المقرضين المحليين، وبمجرد ما تمتلئ خزانته من جديد خلال فترة لا تزيد على السنة، سرعان ما تتم تسوية تلك الديون الداخلية. ولذلك عندما تُوفِّي محمد علي لم تكن مصر عند وفاته مدينة للخارج بقرش مصري واحد. بعد تولِّي الخديوي سعيد ابن محمد علي باشا الحكم، لم يطل به الوقت حتى تورّط في الديون، فبعد أقل من ثلاث سنوات من بداية حكمه بدأ يتأخر عن دفع مرتبات موظفيه.
ولهذا السبب بدأ سعيد في الاقتراض من عدد من البنوك الأوروبية التي نشأت في الإسكندرية، ثم بعد ذلك لجأ إلى إصدار أذونات على الخزانة المصرية، كان يستخدمها أحيانا في دفع مرتبات موظفيه، ومن ثم كان دائنو الموظفين من الجزارين والخبازين وغيرهم يتجمعون على أبواب وزارة المالية، ليُطالبوا بقيمة تلك الأذونات.
[4] لم يكتفِ سعيد بالاستدانة الداخلية وحسب، بل لجأ كذلك إلى القروض الخارجية، وكان أول قرض خارجي قد عقده في هذا الإطار مع أحد المصارف الفرنسية، ولكنه كان قرضا باسمه الشخصي لا باسم الحكومة المصرية، وكانت قيمته الرسمية 1,2 مليون جنيه إسترليني، وسعر فائدة 6%.
[5] لم يمضِ أكثر من عام حتى لجأ سعيد إلى قرض آخر هو أول قرض خارجي تعقده الدولة المصرية رسميا في تاريخها الحديث، قدّمه لها -باختلاف المصادر- مصرف أوبنهايم الألماني بمبلغ 2,5 مليون جنيه إسترليني، يُسدَّد في مدة ثلاثين عاما بسعر فائدة 11%، بحسب الكاتب الإنجليزي جون مارلو في كتابه الصادر في لندن عام 1974 تحت عنوان..Spoiling the Egyptians
[6]، أو بنك فرهلنج & جوشن في لندن، بحسب عبد الرحمن الرافعي في المجلد الأول من كتابه "عصر إسماعيل"، وكان ذلك القرض في عام 1862، وقيمته 2,242,800 جنيه إسترليني بفائدة 7%، ويُسدَّد أيضا خلال ثلاثين سنة.
[11]عندما تُوفِّي الخديوي سعيد، كانت مصر مدينة بديون طويلة الأجل بنحو 8 ملايين جنيه إسترليني، بالإضافة إلى دَيْن واجب السداد خلال 3 سنوات بقيمة مليون جنيه، وديون أخرى قصيرة الأجل تبلغ نحو 9 ملايين جنيه، وكانت هذه المبالغ تُمثِّل قيمة مالية هائلة بمقاييس ذلك الوقت.
[7] يقول أستاذ الاقتصاد المصري جلال أمين في كتابه "قصة الاقتصاد المصري من عهد محمد علي إلى عهد مبارك" الصادر عام 2012 إن الخديوي سعيد لم يكن بحاجة إلى كل هذا التورط في الديون، التي لا يُبرِّرها جهوده المحدودة في التنمية، ولا النفقات العسكرية التي انخفضت في ذلك الوقت بسبب تقليص تعداد الجيش المصري في عهده، فضلا عن عدم تورط سعيد في حروب مباشرة، ولا يُبرِّرها إسراف شخصي أو شيء من ذلك القبيل، إنما يجد أمين تبريرها في الظرف الدولي، الذي لم يَعُد يتحمل انطواء الاقتصاد المصري على نفسه، كما كان الحال في عهد أبيه محمد علي باشا، وأخيه الخديوي عباس الأول، الذي يعتقد أمين أن وفاته الغامضة كان وراءها عزوفه عن لقاء الأجانب والاختلاط بهم فضلا عن الاستدانة منهم بعد تولِّي الخديوي إسماعيل الحكم عقب وفاة شقيقه سعيد، لم يضغط إسماعيل الإنفاق الحكومي لسداد الديون التي تراكمت على البلاد في عهد أخيه، ولكن كما هو معروف توسّع في الديون الخارجية إلى درجة بالغة الخطورة، وأصبح غير قادر على سدادها، على نحو أدّى في نهاية المطاف إلى تسليم إدارة المالية المصرية إلى المراقبين الماليين الأجانب في عام 1876، الذي بلغت فيه ديون مصر الخارجية نحو 91 مليون جنيه، يصل حجم خدمتها السنوية من الأقساط والفوائد أكثر من 6 ملايين جنيه، ما يُمثِّل 80% تقريبا من إيرادات الدولة في ذلك العام.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق