بين أحداث الثورة الايرانية 1979 والثورات العربية 2011
الحركة الثورية والدور الذي لعبته المؤسسة العسكرية
ما لا يجب أن يفعله إسلاميو مصر؟
.. إيــــران نموذجــــا ..

حينما قامت الثورة الإيرانية في عام 1979ووصفت بالإسلامية، تفاءلت العديد من الحركات الاسلامية بإمكانية ان تتحقق أحلامهم وطموحاتهم في بلدانهم بقيام حكم إسلامي لا يكتفي بالصفة في الاسم الرسمي للبلد، ولكن يطبق الشريعة قولا وفعلا في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسة الخارجية. والآن وبعد ما يزيد على ثلاثين عاما من قيام الثورة ، يظهر النموذج الإيراني في الحكم بمثابة قائمة " ماذا يجب ألا يفعل الإسلاميون ".
ففي مقابل مليونيات المواطنين المؤيدة للثورة ضد الشاه ، ونسبة الإقبال المرتفعة على التصويت في استفتاء إعلان ايران جمهورية إسلامية والاستفتاء على الدستور وغيرها من مظاهر التأييد للنظام السياسي بصبغته الإسلامية ، نقف اليوم أمام نظام لا تكتمل فيه شرعية الرئيس المنتخب بسبب تصاعد التظاهرات ضده بشكل متواتر وبسبب الاتهامات العديدة التي وجهت له وللقوى السياسية التي ساندته بتزوير الانتخابات. ;; تعاملت أدبيات الثورة مع كل من الثورتين المصرية والإيرانية على أنهما من أكبر الثورات في العصر الحديث من حيث أعداد المشاركين واتساع النطاق الجغرافي الذي امتدت عليه التظاهرات. وبينما استكملت الثورة الإيرانية عمليات بناء النظام الجديد ، مازالت الثورة المصرية تحاول الدفع لتحقيق مطالبها والبدء في هذه العملية.
وتطرح الثورة المصرية خبرة جديدة على الثورات في العالم ؛ فهي ثورة قامت كشأن معظم الثورات على أساس تحالف ضم في داخله قوى متعددة الخلفيات الايديولوجية، الجديد أن أي من رموز هذه الحركات التي قادت تظاهرات 25 يناير والتي تطورت إلى ثورة كاملة لم يتول أي منصب رسمي ولم يترشح إلا عدد قليل منهم إلى المجلس التشريعي.
والأكثر جدة أن الفائز في كل من الانتخابات التشريعية الأولى والانتخابات الرئاسية هم الإخوان المسلمون الذين لم يشاركوا بشكل مباشر في مظاهرات 25 يناير وتأخرت مشاركتهم إلى جمعة الغضب.
**
تفاصيل اشتراك الإخوان وتوقيتها وإدارتهم للأزمة ككل ليست موضع دراسة في هذه الورقة المختصرة ، ولكن المهم هو كيف يمكن للتيار الاسلامي ممثلا في الإخوان كقوة رئيسة والقوى السلفية بتنوعاتها أن تستفيد من الخبرة الايرانية سواء سلبا أو إيجابا، خاصة في ضوء توليهم عدد كبير من مفاصل الدولة التنفيذية واحتمالات حصولهم على الأغلبية البرلمانية في البرلمان القادم، بداية يجب أن ندرك أن بالقدر الذي تتشارك فيه الدولتان في عدد من السمات ، فهناك أيضا عدد من الاختلافات الجوهرية والهيكلية بين التجربتين سواء على مستوى الخبرة الثورية أو مستوى الدولة وتركيبتها الجغرافية والسكانية والسياسية. فالدولتان من أكبر الدول في منطقة الشرق الأوسط سواء على مستوى المساحة الجغرافية أو عدد السكان ، كما تشتركان في الأهمية الاستراتيجية لموقعهما وقدرتهما على إحداث تأثيرات تتجاوز حدودهما، وتشتركان في عراقة تاريخهما وتغلغله إلى آلاف السنين والدور الذي لعبته كلتاهما في تطور الحضارة البشرية بصفة عامة أو الحضارة الإسلامية بصفة خاصة. وتتفقان أخيرا في أن الانتقال من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري ارتبط بثورة جماهيرية في الحالة الايرانية وانقلاب عسكري حظي بدعم الجماهير في الحالة المصرية.
وفي مقابل هذه المشتركات فتختلف الدولتان على مستوى التركيبة السكانية؛ فبينما تتميز مصر بتجانس على مستوى السكان ، تنقسم إيران بين فرس وعرب وبلوش وأتراك وآذريين وأرمن . وعلى مستوى الانتماء الديني والمذهبي ؛فأغلبية السكان في مصر من المسلمين السنة وحوالي %15-12 من السكان مسيحيين ونسبة قليلة للغاية من الشيعة والبهائيين لا تتجاوز % 2 بينما يتوزع سكان إيران على المذهب الشيعي ذى الأغلبية وعدد من السكان السنة المتركزين في المناطق الغربية القريبة من الحدود العراقية ، بالإضافة إلى أقليات مسيحية ويهودية وبهائية. ويلعب المذهب الشيعي دورا هاما في التمييز بين الدولتين بشكل عام أو بين التجربة الثورية في كل منهما بشكل خاص.
لا تنبع أهمية الاختلاف المذهبي من الاختلافات الفقهية بين السنة والشيعة على خلاف ما يشاع في الأوساط الصحفية ، ولكن أهمية التمايز تعود إلى التداعيات السياسية التي ترتبط به. فقد ارتبط بالمذهب الشيعي علاقة متمايزة بين الفرد المؤمن وعالم الدين أنتجت تداعيات سياسية تتعلق بنظرية ولاية الفقيه وما ارتبط بها من تخطيط النظام السياسي الإيراني بعد الثورة بطريقة تمأسس هذه العلاقة على المستوى السياسي والدستوري، بينما لم يلعب المذهب السني في التجربة المصرية دورا في مأسسة النظام السياسي سواء قبل الثورة أو حتى في الأشهر التي تلتها ، واقتصر دور الأزهر على دعم النظام السياسي وتقديم غطاء شرعي له ، وتطور دوره بعد الثورة إلى محاولة لعب دور كمرجعية دينية معتمدة لشرعية النظام السياسي ، وهو الأمر الذي لم يحسم بعد في عملية بناء الدستور الجديد. وتظهر كل من الثورة المصرية والإيرانية كتجربتان فريدتان في التاريخ المعاصر، فتشابه الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في كل منهما في السنوات القليلة التي سبقت انفجار النظام السياسي ، هذا التشابه لا يفرقهما عن غيرهما من دول العالم الثالث التي تعاني من مشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية هيكلية وملحة، ولكن تختلف الثورتان عن بعضهما بعضا في طبيعة التحالف الذي قاد الحركة الثورية والدور الذي لعبته المؤسسة العسكرية في الأشهر القليلة التي تلت انهيار النظام السابق، بالإضافة إلى طبيعة الدور الذي لعبه التيار الديني في نشأة النظام الجديد.
فالحالة الايرانية شهدت تحالفا واسعا بين القوى الدينية بقيادة الإمام الخميني وغيرها من القوى الليبرالية والقومية، وكان وقود الثورة الحركة الطلابية الواسعة، والتي شكلت الجسد الأكبر للتظاهرات ولحقت بها قطاعات الشباب من القرى والمدن البعيدة، والتي وفرت للنظام السياسي في مرحلة لاحقة ما يمكن أن نطلق عليه بقوات مشاة النظام الجديد، كما تم تحييد المؤسسة العسكرية الإيرانية في الأيام الأخيرة للصراع بين الشاه والإمام الخميني، بل وقام الإمام الخميني بعمليات تطهير وتصفية جسدية لأعداد كبيرة من الضباط بعد قيام النظام الجديد واستتباب الأمر له.
أما الحالة المصرية فقد افتقدت إلى وجود قيادة واضحة للحركة الثورية ، خاصة في المراحل التي أعقبت تخلى مبارك عن الرئاسة وتسليمه مقاليد البلاد إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة. فائتلاف شباب الثورة الذي تكون من مجموعة كبيرة من الشباب المنتمين إلى مختلف التيارات السياسية الدينية وغيرها ، لم يظهر استعدادا أو قدرة على المشاركة في تشكيل النظام السياسي الجديد مما ترك المجال مفتوحا أمام التيارات السياسية التقليدية الدينية وغيرها لتمتلك اليد العليا في شكل النظام الجديد. ولعب المجلس العسكري دورا محوريا خلال أكثر من عام ونصف العام من عمر الثورة المصرية ، يصفه البعض بالدور الانتقامي. ويصفه البعض الآخر بالإدارة المرتبكة، ويتعاطف معه عدد لا يستهان به خاصة على مستوى الجماهير.
كما تختلف الدولتان في طبيعة تحالفاتها الاقليمية والدولية؛ فإيران التي عرفت تاريخيا بعلاقاتها الودية مع الولايات المتحدة الامريكية والغرب بشكل عام ، تحولت علاقاتها بعد الثورة إلى معاداة الولايات المتحدة واعتبارها الشيطان الأكبر، وازدادت علاقاتها مع العالم الغربي توترا مع إصرارها على الاستمرار في برنامجها النووي الذي يعارضه المجتمع الدولى لأسباب متعددة.
على صعيد آخر، تتشابه مصر ما قبل ثورة 25 يناير في علاقاتها الودية، والتي وصفت كثيرا بالاستراتيجية مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية، هذه العلاقات الاستراتيجية استدعت كثيرا من الانتقادات الداخلية والخارجية على اعتبار أنها في حقيقة الأمر افقدت مصر كثيرا من قدرتها على الاستقلال في قراراتها الخارجية، خاصة في محيطها الإقليمي وما يتعلق منه بتطورات القضية الفلسطينية، بينما يبدو أن النظام الجديد يسعى لإعادة تشكيل توجهات السياسة الخارجية المصرية لتبنى قضايا المنطقة العربية والإسلامية على حساب توجهاتها الغربية التقليدية.
على صعيد آخر، تتشابه مصر ما قبل ثورة 25 يناير في علاقاتها الودية، والتي وصفت كثيرا بالاستراتيجية مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية، هذه العلاقات الاستراتيجية استدعت كثيرا من الانتقادات الداخلية والخارجية على اعتبار أنها في حقيقة الأمر افقدت مصر كثيرا من قدرتها على الاستقلال في قراراتها الخارجية، خاصة في محيطها الإقليمي وما يتعلق منه بتطورات القضية الفلسطينية، بينما يبدو أن النظام الجديد يسعى لإعادة تشكيل توجهات السياسة الخارجية المصرية لتبنى قضايا المنطقة العربية والإسلامية على حساب توجهاتها الغربية التقليدية.
كما يبدو أن النخبة الثورية المصرية وبالرغم من انتقاداتها الشديدة لنظام مبارك على أساس علاقاته غير المتوازنة مع الغرب إلا أنها لا تمتلك نفس العداء الأيديولوجي للثقافة الغربية أو قيمها ومؤسساتها السياسية، بل وبعض من منتجاتها الثقافية. وتطرح نقاط التشابه والاختلاف فرصا كما تفرض قيودا على قدرة النظام الوليد في مصر على الاستفادة من الخبرة الإيرانية سواء فيما يجب أن يفعل أو بالأحرى ألا يفعل.
فالثورة التي بدأت شعبية واجتماعية وطرحت نفسها كأمل للمستضعفين في الأرض تحولت خلال 30 عاما إلى سلطة تتعامل بالعنف مع معارضيها.
وتبدو محاولة اختزال التجربة الإيرانية خلال هذه الأعوام المديرة أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا ولكن في ضوء المساحة المتاحة فهناك ملفات رئيسية تبدو الأهم حينما ننظر للخبرة الايرانية.
وتبدو محاولة اختزال التجربة الإيرانية خلال هذه الأعوام المديرة أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا ولكن في ضوء المساحة المتاحة فهناك ملفات رئيسية تبدو الأهم حينما ننظر للخبرة الايرانية.
■ ملف المؤسسات :
أدرك الإمام الخميني منذ اللحظة الأولى ضرورة العمل على ثلاثة مستويات من أجل اقامة المؤسسات المرتبطة بالنظام الجديد ذي الطبيعة الايديولوجية بالأساس. ومن ثم ففي الشهور الأولى بعد خروج الشاه وتولي مجلس قيادة الثورة مقاليد البلاد دعى المواطنون للإدلاء بأصواتهم في استفتاء عن تحويل إيران إلى جمهورية إسلامية.
أدرك الإمام الخميني منذ اللحظة الأولى ضرورة العمل على ثلاثة مستويات من أجل اقامة المؤسسات المرتبطة بالنظام الجديد ذي الطبيعة الايديولوجية بالأساس. ومن ثم ففي الشهور الأولى بعد خروج الشاه وتولي مجلس قيادة الثورة مقاليد البلاد دعى المواطنون للإدلاء بأصواتهم في استفتاء عن تحويل إيران إلى جمهورية إسلامية.
وعقب إعلان نتيجة الاستفتاء بنعم ؛ بدأ على الفور عملية بناء المؤسسات الجديدة. وفي الوقت الذي تم الاحتفاظ فيه بعدد كبير من المؤسسات القديمة مع تغيير في وبعض أو كل وظائفها وأصباغها بالصبغة الأيديولجية الجديدة للنظام قدر النظام الجديد انه يحتاج إلى عدد من المؤسسات الجديدة المرتبطة عضويا وايديولوجيا به، ولذا أوجد الحرس الثوري والباسدران والباسيج (وهي قوات شبه نظامية شرطية وعسكرية ولاؤها الاول والأخير للمرشد ــ والذي هو رأس النظام وقمته).
وقدم الدستور الإيراني الجديد، والذي استغرقت عملية إعداده فترة زمنية طويلة نسبيا، وتم تمثيل معظم طوائف المجتمع الإيراني وجماعاته الإثنية باستتثناء العرب السنة، قدم هذا الدستور شكلا متفردا للنظام الجديد يضمن سيطرة التيار الديني على الحكم ويتناسب في الحقيقة مع المذهب الشيعي ونظرية ولاية الفقيه التي أعاد الإمام الخميني إحياءها بعد قرون طويلة من إهمالها.
وترجمت هذه النظرية التي تعني في جوهرها ضرورة أن يتولى الفقهاء مسئولية حماية جماعة المؤمنين في كافة المجالات الحياتية نيابة عن الإمام الغائب حتى عودته في أخر الزمان ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا. في ضوء هذه النظرية كان طبيعيا أن يضع الدستور الجديد المرشد الأعلى للثورة الإيرانية على رأس النظام السياسي وقمته، وأن تمأسس القوى الأخرى على حسب علاقتها قربا أو بعدا من المرشد الأعلى سواء دينيا أو سياسيا.
وبالرغم من تشابه المؤسسة التشريعية والتنفيذية والقضائية في إيران مع غيرها من المؤسسات في العديد من دول العالم من حيث الشكل والوظائف وطريقة الاختيار (الانتخاب المباشر أو غير المباشر في المؤسستين التشريعية والتنفيذية والاختيار في المؤسسة القضائية) ، فإن علاقتهم بكل من المرشد الأعلى والمؤسسات الرقابية المرتبطة به تظل هي السمة المميزة لهم وتضع في الحقيقة حدودا لقدرتهم على التعبير عن التوازنات المختلفة والمتطورة في المجتمع.
وبالرغم من تشابه المؤسسة التشريعية والتنفيذية والقضائية في إيران مع غيرها من المؤسسات في العديد من دول العالم من حيث الشكل والوظائف وطريقة الاختيار (الانتخاب المباشر أو غير المباشر في المؤسستين التشريعية والتنفيذية والاختيار في المؤسسة القضائية) ، فإن علاقتهم بكل من المرشد الأعلى والمؤسسات الرقابية المرتبطة به تظل هي السمة المميزة لهم وتضع في الحقيقة حدودا لقدرتهم على التعبير عن التوازنات المختلفة والمتطورة في المجتمع.
من الهام أيضا في هذا السياق الإشارة إلى الأجهزة الموازية التي خلقها النظام الجديد خاصة في القطاع الأمني العسكري والشرطي. هذه المؤسسات التي أنشئت في بداية الأمر لتجاوز حالة عدم الثقة في المؤسسات التقليدية القديمة، ولرغبة النظام الجديد في زيادة الجرعة الأيديولوجية المرتبطة به. فقد قام النظام الجديد بإنشاء قوات الباسيج والباسدران والحرس الثوري لضمان تحقيق عدد من الأهداف أولها تحقيق حالة من الانضباط المجتمعي مع القيم الجديدة ومن ثم أوكل لبعض من هذه المؤسسات مهمة مراقبة المجتمع للتأكد من طاعته وانضباط أفراده.
وشكلت الحرب الممتدة مع العراق هدفا آخر لهذه المؤسسات شبه العسكرية ، ففي مقابل عدم الثقة في الجيش الامبراطوري، حيث قاد عدد من ضباط القوات الجوية محاولة فاشلة للانقلاب على النظام الجديد في السنوات الأولى له، قدمت هذه القوات شبه النظامية نفسها كجهاز قادر على الفداء وبذل التضحيات من أجل تحقيق الأولويات الأيديولوجية للنظام في حربه ضد العراق ، وبعضنا يتذكر آلاف الشباب والمراهقين الذين يرتدون شارات تبشرهم بالجنة، وهم يجتاحون حقول الألغام التي زرعتها القوات العراقية ويقدمون حياتهم ثمنا لتقدم جيش الجمهورية الاسلامية .
ويتمثل الهدف الثالث في قدرة بعض أفراد هذه المؤسسات خاصة الحرس الثوري الإيراني على أن تكون أداة من أدوات السياسة الخارجية الإيرانية خاصة في مجال تدريب قوات مماثلة في لبنان أو سوريا أو حتى تنفيذ بعض العمليات المخابراتية ضد المعارضين الإيرانيين في الخارج.
وتشابك الملف المؤسسي مع غيره من الملفات الاقتصادية والعلاقات الخارجية، بالإضافة إلى ملف الحريات العامة، والذي يعتبر من أهم القضايا التي عمل النظام الجديد من خلالها على إعادة تشكيل المجتمع بطريقة تتناسب مع كل من الإطار الفكري والمؤسسي له.
■ ملف الحريات:
وشكلت الحرب الممتدة مع العراق هدفا آخر لهذه المؤسسات شبه العسكرية ، ففي مقابل عدم الثقة في الجيش الامبراطوري، حيث قاد عدد من ضباط القوات الجوية محاولة فاشلة للانقلاب على النظام الجديد في السنوات الأولى له، قدمت هذه القوات شبه النظامية نفسها كجهاز قادر على الفداء وبذل التضحيات من أجل تحقيق الأولويات الأيديولوجية للنظام في حربه ضد العراق ، وبعضنا يتذكر آلاف الشباب والمراهقين الذين يرتدون شارات تبشرهم بالجنة، وهم يجتاحون حقول الألغام التي زرعتها القوات العراقية ويقدمون حياتهم ثمنا لتقدم جيش الجمهورية الاسلامية .
ويتمثل الهدف الثالث في قدرة بعض أفراد هذه المؤسسات خاصة الحرس الثوري الإيراني على أن تكون أداة من أدوات السياسة الخارجية الإيرانية خاصة في مجال تدريب قوات مماثلة في لبنان أو سوريا أو حتى تنفيذ بعض العمليات المخابراتية ضد المعارضين الإيرانيين في الخارج.
وتشابك الملف المؤسسي مع غيره من الملفات الاقتصادية والعلاقات الخارجية، بالإضافة إلى ملف الحريات العامة، والذي يعتبر من أهم القضايا التي عمل النظام الجديد من خلالها على إعادة تشكيل المجتمع بطريقة تتناسب مع كل من الإطار الفكري والمؤسسي له.
■ ملف الحريات:
كان الأداء البوليسي لنظام الشاه السابق وذراعه المخابراتية السافاك واحدا من الاسباب التي أدت إلى قيام الثورة الايرانية في 1979 . وأحتل ملف الحريات الشخصية والسياسية أهمية كبيرة في مسار تطور النظام الإيراني. فمنذ البداية تم فرض الحجاب على النساء في الأماكن العامة وقامت قوات البوليس بتعقب من تراه مخالفا لشروط الحجاب المقبولة، وتبع ذلك التضييق على التيارات اليسارية والشيوعية وتعقب عدد من رموزها وتصفية بعضهم. وتطورت سيطرة النظام السياسي على المجتمع من خلال السيطرة على وسائل الإعلام التي أصبحت تابعة للمرشد الأعلى بشكل مباشر ، والمؤسسات التعليمية التي مرت بمرحلة تطهير للتخلص من المواد "غير الاسلامية" والمدرسين المشكوك في ولائهم للنظام السياسي. وتقرر اجراء امتحانات دخول للجامعات المختلفة لاختبار ولاء الطلاب الجدد لمبادئ "الثورة الاسلامية". ومكنت سنوات الحرب الطويلة مع العراق النظام السياسي من التحكم في الاصوات المعارضة داخليا بحجة أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وخارجيا من خلال تصفية بعضهم واتهام البعض الآخر بالعمالة والخيانة. وعقب انتهاء الحرب في 1989 ووفاة الإمام الخميني بعدها بأشهر قليلة، وتولى هاشمي رفسنجاني الرئاسة بعد اختيار آية الله خامنئي في منصب المرشد الأعلى للثورة، انشغل المجتمع والنظام السياسي الإيراني بجهود إعادة البناء الاقتصادي داخليا ومحاولة تجسير العلاقة مع العالم العربي والغربي بعد انقطاع طويل . ولم يظهر ملف الحريات الاجتماعية والسياسية للسطح مرة ثانية إلا مع وصول تيار الإصلاحيين إلى المؤسسة التشريعية 1996 ومن بعده وصول خاتمي إلى الرئاسة 1997 . فقد شكلت هاتان القوتان مصدرا لدعم التيارات المجتمعية المدافعة عن ملف الحريات بشقيه المجتمعي والسياسي.
وتمتعت قطاعات الشباب في المجتمع بحرية نسبية على هذين الصعيدين مما مكن لظهور عدد من الحركات الطلابية التي قادت أعنف مظاهرات ضد النظام السياسي بشكله الايديولوجي في 1999 والتي تم قمعها من جانب قوات البوليس والباسدران بشكل عنيف، ولكن لم يقدر لربيع الحريات أن يستمر مع الضربات التي تلقاها التيار الإصلاحي في داخل المؤسسة التشريعية ومؤسسة الرئاسة وانتهت بإحكام التيار المحافظ سيطرته مرة ثانية على هاتين المؤسستين. ويلاحظ المراقب لتطور النظام السياسي الايراني خلال السنوات الطويلة السابقة تصاعد الصراع الداخلي بين التيارات الإصلاحية والتيارات المحافظة؛ لا يعني هذا الصراع سقوط شرعية النظام الإيراني الحاكم ككل ، فمازال هناك العديد من القطاعات التي مازالت تؤيد النظام الحاكم وتراه معبرا عن الثقافة والتوجه الايراني ، كما أن النظام مازال قادرا على الوفاء نسبيا بالاحتياجات المادية والاقتصادية والسياسية لبعض القوى التي تشكل العمود الفقري لتأييده ؛ فقراء المدن والقرى، ولكن حدة الصراع زادت كثافة وعنفا ، فالمواجهات العنيفة بين قوات الشرطة والطلاب، على سبيل المثال، والتي تتكرر في كل عام في ذكرى الانتفاضة الطلابية الأولى 1999 لا شك تخصم من رصيد شرعية النظام وتزيد حدة الصراع المجتمعي. كما أن تكرار حرمان المرشحين ذوى التوجهات الليبرالية من حق الترشح للمجالس المحلية أو التشريعية أو حتى انتخابات الرئاسة والتحكم في النتائج يجعل من هذه المؤسسات معبرة عن تيار واحد فقط في المجتمع دون باقي التيارات التى يزداد شعورها بالعزلة المجتمعية والسياسية، وهو الأمر الذي يهدد بسقوط النظام وانفجاره من الداخل ولو على المدى الطويل. قد يحتج البعض بأن التيارات الاصلاحية منقسمة على نفسها ولا تستطيع تقديم بديل متماسك سياسيا واقتصاديا واجتماعيا عن النظام الحالي، وهو الأمر الذي قد يفسر في بعض الانتخابات عدم قدرتها على الحصول على مقاعد برلمانية أو محلية في ظل وجود رقابة الجماعات المحافظة، ولكن لا يمكن إهمال الجهود النظرية التي يبذلها بعض قادة التيارات الإصلاحية الذين ينتمون إلى التيار الديني بشكله الواسع مثل محسن كديور، والتي تحاول تقديم حلول تسمح بفتح النظام على مستوى الحريات السياسية والاقتصادية دون أن تنسف الأساس الفقهي الذي يعتمد عليه النظام ؛ نظرية ولاية الفقيه. ويرى التيار المحافظ أن أي محاولة لتغيير هذا الأساس الفقهي من شأنها أن تؤدي لفقدان التيار المحافظ سيطرته على النظام وانهيار الأخير في النهاية. ويرى في المقابل أن أداء النظام السياسي في الملف الاقتصادي هي مصدر دائم ومتجدد للحصول على شرعية من الجماهير التي تعتمد في مدخلاتها على الدعم الحكومي والوعود المتجددة بإعطاء مزيد من الدعم وتوزيع عوائد البترول ..
■الملف الاقتصادي:
تعد إيران واحدة من أهم الدول الأعضاء في منظمة الأوبك، وتعد المدخولات من قطاع البترول المصدر الرئيسي للدخل، في نفس الوقت تعاني إيران من الحصار الاقتصادي الدولى الغربي والأمريكي، والذي بدأ مع أزمة احتلال..
السفارة الامريكية في طهران في العام الأول للثورة ، وتصاعد مع إصرار إيران على المضي في برنامجها النووي والذي تصر القوى الغربية على عدم سلميته. وبالرغم من المشكلات الهيكلية التي يعاني منها النظام الإيراني، والتي تؤثر على قدراته الاقتصادية على المدى المتوسط والطويل، فإنه يبدو مصرا على الحفاظ على سياسات الدعم والحوافز الاقتصادية التي تقدم للمواطنين خاصة المرتبطين عضويا بالنظام السياسي (أفراد الحرس الثوري والباسيج والباسدران) مما يزيد من عجز الموازنة والضغط على الموارد، كما يبدو البرنامج النووي الايراني بغض النظر عن سلميته من عدمها ضاغطا على الاقتصاد الإيرانى، وذلك بسبب العقوبات التي فرضها ويفرضها المجتمع الدولي كواحدة من أدوات الضغط لوقفه.
ويظهر ملف العدالة الاجتماعية شديد الارتباط بالملف الاقتصادي؛ وفي هذا السياق يبدو أن الحكومة الإيرانية تحاول باستماتة الحفاظ على المكاسب الاقتصادية التي يحصل عليها المواطنون من النظام السياسي في مقابل استمرار إعلان ولائهم للنظام ، وهو الامر الذي تحيطه صعوبات عديدة يتعلق بعضها بازدياد المصاعب الاقتصادية المرتبطة بالأزمة المالية العالمية ، وتقلب أسعار البترول ، وبعضها يتعلق بالمشكلات الهيكلية في الاقتصاد وضعف عوائد عمليات التنمية، لكن على صعيد آخر لا يبدو أن التيارات الإصلاحية ، وهي تيارات المعارضة الأساسية ، تمتلك حلولا اقتصادية بديلة تمكن كل من الدولة والمجتمع من تخطي هذه المشكلات في ضوء تزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء التي ارتبطت بتطبيق سياسات الإصلاح الهيكلي التي بدأها الرئيس رفسنجاني قبل عشرين عاما ، وتصاعد معدلات الفساد في داخل المؤسسات المالية والإدارية في الحكومة.
تفاصيل المشهد الاقتصادي في حقيقة الأمر لا تختلف عن غيرها من دول العالم الثالث التي يبدو أن عداءها الأيديولوجي للرأسمالية العالمية لم يفلح في فك ارتباطها بالاقتصاد العالمي سواء على مستوى السلع الاستراتيجية المنتجة ؛ البترول في حالة إيران، أو على مستوى الترتيبات الاستثمارية الدولية اللازمة في كثير من الأحيان للاستمرار في المشروعات التنموية المختلفة، بعبارة أخرى، يرتبط الملف الاقتصادي بشكل كبير بملف العلاقات الخارجية الاقليمية والدولية وهو الملف الأخير في هذا النقاش.
■ ملف العلاقات الخارجية الإقليمية والدولية:
منذ اليوم الأول للثورة الإيرانية قدمت إيران نفسها للعالم كمدافع عن المستضعفين في الأرض في مواجهة قوى الاستكبار العالمي، والتي حددتها بالولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، ومن ثم تبنى النظام الجديد لهجة عدائية في خطابه الدولي وانعكس هذا على خطابه الإقليمي وعلاقاته العربية، خاصة في ضوء العلاقات الاستراتيجية التي تربط بين عدد من الدول العربية والولايات المتحدة الامريكية، وأسهمت أزمة الرهائن الأمريكيين والحرب مع العراق، وتصاعد لهجة التهديد لإسرائيل بزيادة عزلة إيران عن المجتمع الدولي على مستوى العلاقات الدبلوماسية والتجارية.
وفيما يخص العلاقات العربية الإيرانية، فقد تسبب الخطاب الرسمي الإيراني والذي حاول تصدير مفهوم وفكرة الثورة إلى جيرانه العرب ، خاصة الدول ذات الأغلبيات الشيعية ، تسبب هذا الخطاب في التقريب بين إيران ولبنان وسوريا على سبيل المثال، وتزايد العداء والحذر مع السعودية ومصر ودول الخليج والعراق التي رأت في النظام الإيراني تهديدا لتوازن التركيبة السكانية، وللمكانة الإقليمية في المحيط العربي.
وشكلت نهاية الحرب مع العراق فرصة تاريخية لإيران لتجاوز هذه المرحلة والاستفادة من الفرص المطروحة على الساحة الدولية والاقليمية، وتبنى الرئيس هاشمي رفسنجاني توجها أكثر انفتاحا على العالم العربي والغربي بغرض الاستفادة من الاستثمارات الدولية في جهود إعمار ما بعد الحرب ، واستمر الرئيس خاتمي على نفس الخط، خاصة على مستوى العلاقات الايرانية العربية، والتي بدأت تشهد انفراجا ملحوظا وتبادلا تجاريا بين عدد من دول الخليج خاصة الإمارات العربية. وفي مواجهة التعنت الأمريكي والعقوبات المفروضة على إيران منذ أزمة الرهائن ، استعاضت إيران عن الشريك الأمريكي بعدد من الشركاء الاوروبيين كألمانيا والشركاء الشرقيين كالصين وكوريا وروسيا الذين لم تقف العلاقات معهم عند حد العلاقات الاقتصادية، بل تعدتها إلى التعاون في مجالات التسليح والأبحاث في مجال الطاقة النووية، وهو الأمر الذي يتحدى قرارات المجتمع الدولى بفرض حصار على هذه القطاعات. وتحتل إيران مكانة متقدمة على قائمة الدول الداعمة للارهاب أو ما عرف بالدول المارقة وفق تعريف الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، والتي اعتبرها مسئولة (ضمن دول أخرى) عن هجمات 11 سبتمبر وغيرها من الهجمات الإرهابية.
هذه المكانة حرمت إيران بطبيعة الحال من فرص اقتصادية وسياسة تساعدها في عمليات التنمية الداخلية.
وشكلت نهاية الحرب مع العراق فرصة تاريخية لإيران لتجاوز هذه المرحلة والاستفادة من الفرص المطروحة على الساحة الدولية والاقليمية، وتبنى الرئيس هاشمي رفسنجاني توجها أكثر انفتاحا على العالم العربي والغربي بغرض الاستفادة من الاستثمارات الدولية في جهود إعمار ما بعد الحرب ، واستمر الرئيس خاتمي على نفس الخط، خاصة على مستوى العلاقات الايرانية العربية، والتي بدأت تشهد انفراجا ملحوظا وتبادلا تجاريا بين عدد من دول الخليج خاصة الإمارات العربية. وفي مواجهة التعنت الأمريكي والعقوبات المفروضة على إيران منذ أزمة الرهائن ، استعاضت إيران عن الشريك الأمريكي بعدد من الشركاء الاوروبيين كألمانيا والشركاء الشرقيين كالصين وكوريا وروسيا الذين لم تقف العلاقات معهم عند حد العلاقات الاقتصادية، بل تعدتها إلى التعاون في مجالات التسليح والأبحاث في مجال الطاقة النووية، وهو الأمر الذي يتحدى قرارات المجتمع الدولى بفرض حصار على هذه القطاعات. وتحتل إيران مكانة متقدمة على قائمة الدول الداعمة للارهاب أو ما عرف بالدول المارقة وفق تعريف الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، والتي اعتبرها مسئولة (ضمن دول أخرى) عن هجمات 11 سبتمبر وغيرها من الهجمات الإرهابية.
هذه المكانة حرمت إيران بطبيعة الحال من فرص اقتصادية وسياسة تساعدها في عمليات التنمية الداخلية.
بعبارة اخرى، فإن محاول إيران البحث عن سياسة خارجية إقليمية ودولية مستقلة عن الولايات المتحدة الامريكية التي كانت معروفة بعلاقاتها الاستراتيجية الوطيدة مع الشاه السابق ، هذه المحاولات لم تتم إدارتها بشكل يسمح بزيادة الفرص وتقليل القيود التي فرضها المجتمع الدولي عليها ،وأدت في النهاية ليس فقط لعزل النظام الايراني، ولكن لتزايد احتمالات تعرضه لضربة عسكرية توجهها الولايات المتحدة أو اسرائبل يكون من شأنها إجهاض المشروع النووي، وزيادة الضغوط الاقتصادية اليومية، وفقدان النظام السياسي لكثير من شرعيته المعتمدة على قدرته على تقديم نفسه للجماهير بصفته المقاوم للسيطرة الأمريكية والإسرائيلية على المنطقة.
قد يبدو أن الاجراءات التي اتخذها النظام السياسي الإيراني على مدى الثلاثين عاما الماضية مكنت له الاستمرار في الحكم دون منافسة تذكر وهذا حقيقي، ولكن لا يمكن انكار ان عوامل عدم الاستقرار الكامنة تحت السطح من الممكن أن تهدد ليس فقط النظام الإيراني، ولكن التجربة الإسلامية بشكل كبير، من ثم يصبح السؤال الأهم:
هل يبحث الإسلاميون عن سبل تمكن لهم الاستمرار في الحكم بغض النظر عن الثمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي المدفوع أم أنهم يبحثون عن دور لهم في بناء دولهم على كل المستويات سواء كان هذا الدور في الحكم أو في المعارضة أو ــ وهو الأهو ــ مع الجماهير.
ولذلك يبدو أن التجربة الإيرانية تقدم نفسها في حقيقة الأمر بمثابة قائمة ماذا يجب ألا يفعل الأسلاميون أو بالأحرى أي قوى تعلى من الأبعاد الأيديولوجية تصل إلى الحكم في دولها.
هل يبحث الإسلاميون عن سبل تمكن لهم الاستمرار في الحكم بغض النظر عن الثمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي المدفوع أم أنهم يبحثون عن دور لهم في بناء دولهم على كل المستويات سواء كان هذا الدور في الحكم أو في المعارضة أو ــ وهو الأهو ــ مع الجماهير.
ولذلك يبدو أن التجربة الإيرانية تقدم نفسها في حقيقة الأمر بمثابة قائمة ماذا يجب ألا يفعل الأسلاميون أو بالأحرى أي قوى تعلى من الأبعاد الأيديولوجية تصل إلى الحكم في دولها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق