الاثنين، 25 يوليو 2011

الفارق بين عسـكر1952 وعسـكر2011 .. والشرعية الثورية المستمدة من الشعب



ثورة نجحت لتوها فى الإطاحة بنظام، 
مازالت جذوره الفاسدة ممتدة فى طول البلاد وعرضها؟! 
الثوار والعسكر.. وبدء معركة تكسير العظام 
الفارق إذا بين عسكر 1952 الذين إعترفوا بالشرعية الثورية المستمدة من الشعب وأمنوا بها. وبين عسكر 2011 الذين مازالوا يسيرون على خطى المخلوع فى إتهامهم للثوار بالخيانة والعمالة والركوب على عجلة الإنتاج.



لم تحمل أحداث العباسية التى وقعت مساء السبت الماضى مفاجأة قدر ما شعرنا به من الأسى والأسف لما شاهدناه من معارك واشتباكات بين مواطنين مصريين، كانت جديرة أن تعيد إلى الذاكرة مشهد موقعة الجمل السوداء. موقعة الجمل التى خرج فيها البلطجية إلى ميدان التحرير بهدف الإجهاز على كل من فيه وإجهاض الثورة الوليدة .. بينما خرج الثوار مساء السبت الماضى يرددون هتافهم الشهير سلمية.. سلمية لتقديم مجموعة من المطالب سوف يشكل تحقيقها – إن تحققت - خطوة هامة نحو القضاء على الثورة المضادة.. هذا اليوم وما حمله من أحداث جاء ليعرض مشهدا مشوشا، وليحمل مؤشرا خطيرا يدل على بدء المجلس العسكرى فى التراجع عن دعم الثورة وحمايتها.. بل والبدء فى الإلتفاف على مطالبها.
نفذ الثوار هذه المسيرة إلى مقر المجلس الأعلى للقوات المسلحة كخطوة تصعيدية بعد طول مدة الإعتصام المصحوبة بتجاهل المجلس العسكرى لبعض المطالب التى لم يتم تحقيقها حتى الأن.. أما ما رفع مؤشر حرارة هذه المسيرة حقيقة هو إتهام المجلس الغير مبرر لحركتى "6 إبريل" و "كفاية" بالعمالة ومحاولة إحداث فرقة بين الجيش والشعب، وتلقى أموال من خارج البلاد.. دفعهم هذا إلى الخروج والتوجه مباشرة نحو العباسية للتعبير عن رفضهم لهذه الرعونة المصحوبة باللاوعى السياسى فى إدارة شئون البلاد.. مما إستفز العسكر، الذين يبدو أن صبرهم قد نفز، وخاصة عندما أعادت هذه المسيرة - التى جاءت فى يوم 23 يوليو- إلى أذهانهم يوم أن إندلعت الشرارة الأولى للثورة فى الخامس والعشرين من يناير.. أثناء إحتفال الشرطة بعيدها. ولكن نفاذ صبر المجلس لا يعنى إطلاقا إنزلاقه إلى هذه الحالة من التخبط الناتجة بالطبع عن عدم إمتلاك الخبرة والدراية الكافية بأصول اللعبة السياسية.. والذى ظهر فى إتهام بعض ممن شاركوا فى صنع الثورة بالعمالة. أثناء حكم المخلوع كان من السهل تقبل هذه الإتهامات وتفهم أن الدافع من وراءها هو محاولة الإطاحة بكل من يعارض السياسات المرضية التى كانت تدار بها شئون البلاد، لأننا ببساطة كنا قد تعودنا على مثل هذه الهرطقة من قبل هؤلاء.. أما الأن فإن مرحلة فقدان التوازن السياسى والإجتماعى والإقتصادى التى تمر بها البلاد لا تسمح بأى حال من الأحوال بمرور هذه الإتهامات مرور الكرام، وذلك لما لها من خطورة على شكل وسمعة مصر وثورتها الشعبية - التى ساهمت بها هذه الحركات بشكل كبير - أمام العالم بأثره.
الأخطر من ذلك هو أن إلقاء مثل هذه الإتهامات التى لا تستند إلى أدلة واضحة قد يتسبب فى أن تطفو على السطح حالة من التعبئة الشعبية ضد هذه الحركات، وبالتالى تصدع الجبهة الوطنية وحدوث إنشقاقات داخل المجتمع المصرى. ولكن للأسف، من الواضح أن المجلس العسكرى لا يدرك أو لا يريد أن يدرك هذه الحقيقة، ولم ولن يتفهم أن الثورة لم تحكم، وبالتالى فإنه من الطبيعى أن يلاقى مثل هذا العناد والصلف والتبجح - أحيانا - فى المطالبة بتحقيق أهدافها، لذا فمن الأفضل أن تتحقق هذه المطالب بدلا من إلقاء الإتهامات جزافا.. لأنه ببساطة لو كان الثوار هم من يتقلدون زمام الأمور الأن ولم يكن العسكر هم من فى الواجهة، لكن كل شىء قد إنتهى. هناك حقيقة أخرى يجب الوقوف عندها، وقرائتها جيدا لإستخلاص ما تحويه من دلائل.. وهى ما جاء على لسان اللواء حسن الروينى من أن المجلس العسكرى لم يكتسب الشرعية من التحرير ليحكم، وإنما إكتسبها من نتيجة الإعلان الدستورى الذى صوت له الأغلبية بالموافقة.. هذا يعنى شيئين لا ثالث لهما : إما أن المجلس العسكرى مازال يعتقد أن ما تمر به البلاد منذ الخامس والعشرين من يناير وحتى الأن من أحداث هى فقط إحتجاجات شعبية تدعو إلى الإصلاح ليس أكثر من هذا. أو أنه يؤمن بالثورة وما جاءت به، ويتفهم تماما رسالة "عفوا لقد نفذ رصيدكم" التى بعث بها الثوار للروينى، وفى هذه الحالة يجب عليه – بديهيا – أن يطلب من الرجل أن يقلل من تصريحاته الإعلامية التى يطل بها علينا كل يوم عبر الفضائيات، وأن يبتعد تماما عن وسائل الإعلام بكل أشكالها، على الأقل فى هذه الأثناء. أما عن الشرعية التى تتمتع بها يا سيادة اللواء فهى الشرعية المستمدة من الملايين التى إحتشدت فى ميادين التحرير بعد الإطاحة بمبارك فى الحادى عشر من فبراير.. متجاهلة تماما الشرعية الدستورية التى تتحدث عنها سيادتك الأن، والتى تمنح السلطة فى حالة رحيل الرئيس لأى سبب من الأسباب إلى رئيس مجلس الشعب، أو رئيس المحكمة الدستورية العليا.. لذا فإنه لم يكن من الحنكة السياسية أو الفطنة الإنسانية أو حتى الذكاء الفطرى أن تتنكر بالشرعية لمن منحوها لسيادتك. هذا هو الفارق إذا بين عسكر 1952 الذين إعترفوا بالشرعية الثورية المستمدة من الشعب وأمنوا بها – على الرغم من قيامهم هم بالثورة - فكانت النتيجة هى النجاح فى القضاء على الثورة المضادة، والدخول فى مرحلة جديدة من البناء فى فترة قصيرة لا تتجاوز الشهرين.. وبين عسكر 2011 الذين مازالوا يسيرون على خطى المخلوع فى إتهامهم للثوار بالخيانة والعمالة والركوب على عجلة الإنتاج. صحيح أن ما يحدث فى مصر يستدعى القلق عند البعض.. وصحيح أيضا أن الغالبية العظمى من الشعب المصرى مازالوا لا يشعرون بالأمان وهم يشاهدون عبر القنوات الفضائية ويقرأون فى الصحف كل يوم عن حالة الإرتباك التى تشوب هذه المرحلة .هذه المرحلة فى الحقيقة هى مرحلة المخاض التى تسبق ميلاد الديمقراطية، وهى مرحلة عادة ما تأتى بعد الإطاحة برأس النظام وتكون مصاحبة أيضا بتذبذب فى الرسم البيانى للحالة الإقتصادية بين صعود وهبوط .. لذا فإننا يجب أن ندرك أن الثورة لا ترجع إلى الخلف إطلاقا، وأن ما يحدث الأن هو أمر طبيعى بالضبط مثلما يحدث للمريض أثناء فترة النقاهة بعد شفاءه من مرض يعتلى جسده.. فما بالكم بثورة نجحت لتوها فى الإطاحة بنظام، مازالت جذوره الفاسدة ممتدة فى طول البلاد وعرضها؟!

ليست هناك تعليقات: