شراء الأراضي يقلص إمدادات الغذاء
في الدول الأفريقية التي تعاني بالفعل من المجاعات
في الدول الأفريقية التي تعاني بالفعل من المجاعات

قالت صحيفة "الكريستيان ساينس مونيتور" الأمريكية: إن الصين تهدد حصة مصر من مياه نهر النيل.
وأضافت بقولها في تقرير نشرته اليوم الأحد إن الصين تهدد موارد المياه المصرية من خلال عمليات شراء الأراضي التي تقوم بها في السودان وإثيوبيا من أجل إنتاج الحبوب.
ومضت تقول: إن الصين وعددا من الدول الآسيوية ومنها كوريا الجنوبية توقّع اتفاقات ثئائية مع السودان وإثيوبيا والكونغو وزامبيا من أجل شراء أراض، ونقل منتجاتها إلى الزراعية إلى القارة الآسيوية.
وأكدت الصحيفة الأمريكية أن عمليات شراء الأراضي تقلص إمدادات الغذاء في الدول الأفريقية التي تعاني بالفعل من المجاعات، وتثير غضب المزارعين المحليين، إضافة إلى أنها تمثل تهديدا بالغ الخطورة لأحدث ديمقراطية في القارة الأفريقية وهي مصر.
وتابعت بقولها إن مصر دولة "آكلة للخبز"، والشعب المصري يستهلك 18 مليون طن من القمح سنويا، حيث تستورد مصر أكثر من نصف احتياجاتها من القمح من الخارج، وهي أكبر مستورد للقمح في العالم.
... مياه النيل شريان الحياة في مصر ...
يبدو أن الأزمة المثارة حاليا بين دول حوض النيل العشر غير بعيدة عن تسارع مخططات حكومة نتنياهو المتطرفة لإعلان إسرائيل "دولة يهودية" وفشل فكرة تحويل جزء من مياه النيل إلى صحراء النقب عبر سيناء التي تقدم بها الزعيم الصهيوني تيودور هرتزل عام 1903 إلى الحكومة البريطانية.
فإسرائيل كانت الحاضر الغائب في اجتماعات وزراء مجلس المياه بدول حوض النيل العشر التي عقدت في شرم الشيخ وانتهت بالفشل في 14 إبريل / نيسان وذلك في ضوء حقيقة أن المشروع الصهيوني أخذ أبعادا وأشكالا أكثر خطورة والمقصود هنا تدويل نهر النيل وتسعير المياه بعد أن منعت مصر ظهور فكرة هرتزل للنور.
وبجانب ما سبق ، فإن فشل اجتماعات شرم الشيخ حول وضع اتفاقية جديدة حول مياه النيل تراعي مطالب دول المصب والمنبع كان أمرا متوقعا بالنظر إلى محاولة إسرائيل التغطية على مخططاتها الاستيطانية والتهويدية في القدس الشرقية والضفة الغربية وقرارها العنصري الأخير حول إبعاد سكان الضفة وذلك من خلال إثارة الخلافات بين مصر ودول حوض النيل على أمل الإسراع بإعلانها " دولة يهودية " وتصفية القضية الفلسطينية في ذروة انشغال مصر والعرب بقضية مياه النيل.
ولعل التقارير التي تحدثت عن زيارة وفد إسرائيلي لإثيوبيا سرا قبل أيام من اجتماعات شرم الشيخ تؤكد صحة ما سبق ، بالإضافة إلى أن مطالب دول المنبع السبع وهي إثيوبيا والكونغو وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي وأوغندا تثير الكثير من علامات الاستفهام وتؤكد أنها تنفذ أجندة صهيونية مائة بالمائة .
فمعروف أن مصر تعتمد في احتياجاتها المائية على مياه النيل بنسبة 95% والسودان بنسبة 15% ، أما إثيوبيا التي تقود الحملة ضد مصر فتستهلك حوالي 1% وكينيا 2% وتنزانيا 3% والكونغو 1% وبوروندي 5% حيث أن كثافة هطول الأمطار على تلك البلدان تقلل من أهمية مياه النيل بالنسبة لها .
وفي ضوء ما سبق فإن دعوة دول المنبع لإعادة توزيع الحصص في مياه النيل بصورة "أكثر عدالة " تثير السخرية خاصة وأن حججها غير مقنعة لأحد بل إنها تنتهك الاتفاقيات الدولية.
وكانت الدول السبع بررت دعوتها السابقة بعدة أمور منها :
أن تلك المياه ملك لها ومن ثم لها الحق ليس فقط في حجزها وراء السدود ولكن أيضاً في بيعها إلى مصر والسودان ، كما زعمت كينيا وتنزانيا أن الحصص ينبغي أن يعاد النظر فيها بما يلبي تطور احتياجاتها التنموية خصوصاً في التحول من الزراعة الموسمية إلى الزراعة الدائمة ، وأخيرا احتجت الدول السابقة بأن اتفاقية عام 1929 وقعتها مصر مع سلطة الاحتلال البريطاني، التي لم تراع احتياجات مستعمراتها السابقة وبعدما نالت تلك المستعمرات استقلالها فإن الأمر اختلف بما يبرر إعادة النظر في الاتفاقات التي عقدها البريطانيون .
ولم يقف الأمر عند ما سبق ، فقد رفضت الدول السبع مقترحات تقدمت بها دولتا المصب مصر والسودان خلال اجتماعات شرم الشيخ وقبلها في كينشاسا بالكونغو في مايو/أيار 2009 وفي الإسكندرية في يوليو/تموز 2009 حول ضرورة قيام دول منابع النيل بإخطار الدولتين مسبقاً قبل تنفيذ مشروعات على أعالي النهر قد تؤثر في حصصهما في المياه واستمرار العمل بالاتفاقيات السابقة التي توزع حصص المياه باعتبارها حقوقاً تاريخية في حال إبرام اتفاقية جديدة وأن تصدر جميع القرارت المتعلقة بتعديل أي بنود لاتفاقية تقاسم مياه النهر بالإجماع أو بالأغلبية التي يشترط فيها موافقة دولتي المصب .
شــراء الميــاه
بل وتحدت الدول السبع مصر والسودان علانية عبر التهديد بإبرام الاتفاقية الجديدة في منتصف مايو / أيار 2010 سواء قبلت مصر والسودان أو لم تقبلا ، وسرعان ما كشفت صحيفة "جيما تايمز" الإثيوبية في 24 إبريل / نيسان أبعاد المؤامرة الإسرائيلية الأمريكية الإثيوبية الجديدة ضد مصر والسودان ، حيث أوضحت أن هناك رأيا عاما تزداد قوته فى دول منابع النيل يطالب بضرورة دفع مصر ثمن استخدام مياه النيل.
ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة في كينيا القول إن أغلب الكينيين يرون أن من حق بلادهم وباقى بلاد منابع النيل الحصول على مقابل لمياه النيل التى تصل إلى مصر والسودان. وأشارت إلى اعتزام دول المنابع السبع التوقيع على معاهدة جديدة بشأن تقاسم مياه النيل رغم رفض دولتى المصب وهما مصر والسودان لهذه الاتفاقية الجديدة ، قائلة :" من المنتظر أن توقع كينيا وإثيوبيا وأوغندا ورواندا وبوروندى والكونغو الديمقراطية وتنزانيا على الاتفاقية الجديدة التي ستحل محل اتفاقيتى عام 1929 و1959 المنظمتين للعلاقة بين دول حوض النيل في 14 مايو ".
وأضافت الصحيفة أن الكينيين يطالبون بالتعامل مع مياه النيل كما تتعامل الدول العربية مع البترول الذى يتم استخراجه من أراضيها وبالتالى يجب أن تشترى مصر ما تحتاج إليه من المياه من دول المنابع على اعتبار أن كلا من البترول والمياه مصادر طبيعية للدول. واختتمت قائلة إن إقامة منطقة للتجارة الحرة تضم مصر وباقى دول حوض النيل يمكن أن تحد كثيرا من احتمالات قيام نزاع بين مصر وتلك الدول على مياه النيل حيث يمكن لمصر التى تعانى من قلة مصادر المياه شراء احتياجاتها من الغذاء والكهرباء من كينيا وإثيوبيا وغيرهما من دول الحوض بدون أى أعباء إضافية. " ماذا تفعل مصر لمواجهة تلك المؤامرة ؟".
... اجتماع سابق لدول حوض النيل ...
فمعروف أن موضوع مياه النيل التي تعتمد عليها مصر بنسبة 95% لا مساومة عليه بل وهناك من يشير إلى أن مصر دخلت مرحلة المجاعة المائية منذ بداية التسعينيات ووصل نصيب الفرد فيها إلى أقل من 1000متر مكعب وهو الحد العالمي للمجاعة ، وإذا استمرت الأحوال على ما هي عليه ستعجز مصر عن زراعة 60% من الأراضي الزراعية الحالية . ورغم أن البعض يحمل تراجع الدور المصري في إفريقيا مسئولية ما يحدث حاليا وتشجيع إسرائيل على التواجد وسد الفراغ ، إلا أن الأمر لا يحتمل التركيز على تحديد المسئول بقدر ما يتطلب التحرك السريع عبر عدة خيارات من أبرزها عدم الاكتفاء بالتمسك بالحقوق التاريخية المكتسبة وتجنب لغة التهديد والوعيد ومحاولة إقناع دول الحوض بأنه لا تعارض بين مصالحها وبين المصلحة المصرية وتقديم اقتراحات بمشاريع مشتركة لتنمية الموارد المائية عن طريق غير تقليدي مثل إعادة معالجة مياه الصرف الصحي والصناعي وتجميع المياه الفاقدة ومياه الأمطار وتحلية مياه البحر كي لا تنفرد إسرائيل بأن تكون العنصر المؤثر في قرار تلك الدول .
وفي حال واصلت دول المنبع تعنتها وتوصلت لاتفاقية جديدة دون موافقة مصر والسودان فهناك عدة خيارات منها اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي ومنه إلى محكمة العدل الدولية في ضوء حقيقة أن الاتفاقيات المائية كاتفاقيات الحدود لا يجوز تعديلها أو المساس بها ، كما أن اتفاقات المرحلة الاستعمارية التي يراد إعادة النظر فيها بما فيها اتفاق توزيع حصص المياه هي ذاتها التي أنشأت تلك الدول وإعادة النظر فيها من شأنها أن تطلق عنان الفوضى ليس في دول حوض النيل فحسب وإنما في إفريقيا كلها ، بالإضافة إلى أن هناك قواعد عامة لإدارة مياه الأنهار العابرة للدول تنص على إقرار مبدأ الحقوق التاريخية المكتسبة في الموارد المائية وتعتبر أن مياه الأنهار مورد طبيعي مشترك لا يخضع لسيادة دولة بذاتها وهذه القواعد أقرها معهد القانون الدولي في عام 1961 .
ما سبق يؤكد أنه لا يجاوز المساس باتفاقية عام 1929 التي تقضي بحصول مصر على 5و55 مليار متر مكعب والسودان على 18 مليار متر مكعب كما تقضي بحظر إقامة مشروعات سدود أو خزانات على منابع النهر دون موافقة دولتي المصب واتفاقية عام 1959 بين مصر والسودان التي أكدت حقوق الدولتين التاريخية في مياه النيل.
ولعل إلقاء نظرة على جغرافية دول الحوض العشر يدعم ما سبق ، فمعروف أن دول حوض النيل هي التي يخترقها النهر وتقع في حوضه ولها مصلحة في مياهه وتستفيد منها بأي صورة من الصور وتضم مصر والسودان وأوغندا وإثيوبيا والكونغو الديمقراطية وبوروندي وتنزانيا ورواندا وكينيا واريتريا ، ومساحة حوض النيل 2.9 مليون كم2 أي 10% من مساحة إفريقيا ويعتبر نهر النيل من أطول أنهار العالم ويتجه دائما نحو الشمال حيث يصب في البحر المتوسط .
وهناك تجمع إقليمي للدول المطلة على نهر النيل يطلق عليه "الاندوجو" أو الإخاء باللغة السواحلية وهو يهتم أساسا بتنظيم الاستفادة من مياه النيل وتحقيق المصالح المشتركة بين دول الحوض في مياهه ، والدول العشر المشتركة في حوض النيل لها أهميتها بالنسبة لمياه النهر كالآتي :
أثيوبيا وإريتريا تمد النيل بنحو 84% من مياهه التي تصل مصر ، وأوغندا يقع بها منبع النيل من بحيرة فيكتوريا ولها نصف بحيرتي ألبرت وإدوارد ، وكينيا وتنزانيا تشتركان مع أوغندا في بحيرة فيكتوريا ، والكونغو تشترك مع أوغندا في بحيرة ألبرت ، ورواندي وبورندي حيث نهر كاجيرا أهم روافد بحيرة فيكتوريا ، والسودان يجري في أراضيها جزء كبير من مياه النيل ، بالإضافة إلى روافده ، أما مصر فهي دولة المصب ، ومن أكثر الدول السابقة اعتمادا على مياه النيل مصر ثم السودان ثم أوغندا على الترتيب ، أما بقية الدول فاعتمادها على المياه محدود بسبب كثرة هطول الأمطار وتوجه بعضها نحو المحيط ، حيث تتجه كينيا وتنزانيا نحو المحيط الهندي والكونغو نحو المحيط الأطلنطي .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق